أكتوبر 272015
 

 

Pro-Morsi Protesters Clash With Security Forces

تنفس السياسيون في واشنطن و غيرها من العواصم الغربية الصعداء عندما أنجز السيسي المهمة المطلوبة، وأتم انقلابه العسكري بسيل من الدماء، وهكذا أضحى بوسعهم أن يعودوا إلى سياستهم القديمة في التعاطي مع العرب وكأن شيئاً لم يكن. لقد كفاهم الانقلاب مؤونة الحاجة إلى صياغة استراتيجية احتواء جديدة ،لم تعد ثمة حاجة لتمجيد الحرية و التغني بتحرير الأمم أو الإرادات الشعبية، فلقد قامت دبابات السيسي الأمريكية الصنع وأموال مشيخات النفط الخليجية بالواجب على الوجه الأكمل، وأتت على الربيع العربي الذي لم يكن مرحباً به أصلاً. تهيأت الأجواء إذن للعودة إلى ما قبل يناير 2011 والتعاون مجددا مع الأصدقاء والرفقاء القدامى. فلكم افتقدوا فعلا.

آن الأوان للتخلص من خطاب  “التغيير” ، “التحول” ،”الانتقال الديمقراطي”، “الإرادة الشعبية” ، و “الاحترام المتبادل”، وبات ملحاً استخراج القاموس المعهود من الرف مجددا، وقد بلي من فرط ما استخدم، منذ الحرب العالمية الثانية بمفرداته الشائعة من قبيل  “الاستقرار” و”الأمن” و “المصالح” وغير ذلك من المصطلحات التي يلجأ إليها لاخفاء  “الركود السياسي المفروض بالقوة” و “الإعاقة الفعالة للتغيير” و “الأمر الواقع المفروض قهراً”.

ها قد عادت الأصوات التي خفتت منذ الإطاحة بدكتاتوري مصر وتونس لترفع عقيرتها بالصياح من جديد، ومنها صوت دينيس روس الذي كتب مقالاً في صحيفة نيويورك تايمز مؤخراً حث فيه علانية الإدارة الأمريكية على العودة إلى دعم “أصدقائها وشركائها” في المنطقة على حد تعبيره. وحتى لا يترك مجالاً لأي لبس أو سوء فهم بشأن من يكون هؤلاء الأصدقاء والشركاء، لم يتردد روس في مقالته التي عنونها ب “الإسلاميون ليسوا أصدقاءنا”، في أن يحدد هويتهم بشكل صريح وجلي. إنهم “الملكيات التقليدية، والحكومات الاستبدادية، والإصلاحيون العلمانيون الذين قد يكونون قلة من حيث العدد ولكنهم لم يختفواتماما من الساحة.” هؤلاء عند روس هم بارقة الأمل الوحيدة و يمثلون جزيرة صغيرة في محيط عربي دامس. هؤلاء هم بوابة أمريكا الوحيدة إلى المنطقة وموطئ قدمها الفريد فيها. وكأنهلسان حاله يقول “انسوا المليار ونصف من المسلمين حول العالم، فمصلحتنا تكمن بشكل حصري مع تلك القلة المختارة، وينبغي على السياسات التي ننتهجها أن تعتمد عليها دون سواها.”

أما البقية في يحشرون في فئة عريضة يرحلون إلى فئة عريضة ضبابية تسمى “الإسلاميين”،توجد فيها حركات إسلامية معتدلة من مثل النهضة التونسية، وآبيم الماليزية، والإصلاحيين في إيران جنباً إلى جنب مع معتوهي القاعدة وداعش على النقيض منهم تماما. لم تعد ثمة قيمة إذن للاختلافات الفكرية والسياسية الهائلة التي تميز هؤلاء عن أولئك، بل يوضع السنة والشيعة والديمقراطيون والمعتدلون والسلفيون والمتطرفون والفوضويون العنفيون كلهم في سلة واحدة ويفرض عليهم أن يكونوا في كتلة واحدة موحدة، في مثال صارخ على الاختزال والتبسيط وعمى الألوان.

يتحدث روس بخطاب يعتريه التناقض وعدم الإنسجام شأنه في ذلك شأن كثير من أشباه الليبراليين، فتارة يدعو إلى دعم عتاة المستبدين وقساة الدكتاتوريين، وأخرى ينادي بالإلتزام”بقيمنا و تقاليدنا الديمقراطية التعددية”. وبذلك تتحول الديمقراطية والحقوق والحريات إلى مجرد واجهة مضللة تستخدم لإخفاء بشاعة الاستراتيجيات والسياسات المتبعة على الأرض، أو ما يشبه ورقة التين التي يلتجئ إليها لستر عورة المصالح الأنانية الضيقة .

الذين يصرون على التعامل مع المشهد الإسلامي كما لو كان كتلة متجانسة خارج التاريخ إما يجهلون الحركات والصراعات الفكرية والدينية التي يمور بها المشهد أو يدفنون رؤوسهم في التراب عمدا حتى لا يروها. الحقيقة أنه إلى جانب المواجهات السياسية والعسكرية الصاخبة تدور مواجهة أهم في ساحة الإسلام الواسعة.وفي هذا السياق  يمكن التمييز بين ثلاث استراتيجيات متباينة في تأويل الإسلام، وهي استراتيجيات تتنافس فيما بينها على كسب ولاء جمهور المسلمين.

الأولى، تعود أصولها إلى المدرسة الإصلاحية للقرن التاسع عشر، ولها تجلياتها عند السنة والشيعة على حد سواء، وهذه لا ترى تناقضاً بين الإسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان وتحرير المرأة والحريات المدنية والعامة. وهذا الفهم للإسلام تتبناه حركات مثل حزب النهضة في تونس، وحزب العدالة والتنمية في المغرب وحزب العدالة والتنمية في تركيا. إنهم إسلاميون، ولكنهم في نفس الوقت ديمقراطيون. الإسلام هو إطارهم المرجعي، ويقوم بذات الوظيفة التي تؤديها المسيحية في حالة الديمقراطيين المسيحيين (Christian Democrats) والاشتراكية في حالة الديمقراطيين الاشتراكي(Social Democrats).

في مقابل هذا الصنف يوجد نمط من الإسلام تتبناه مشيخيات الخليج، برجال دينها ووعاظها الرسميين وشرطتها الدينية لا تعرف الرحمة، والذين تتلخص مهمتهم جميعاً في إضفاء الشرعية على الوضع القائم وشرعنة الاستبداد والقمع باسم الدين والعادات. دين هؤلاء ما هو في الحقيقة إلا إيديولوجيا تتبناها الدولة خدمة للحكام المستبدين. ويبدو أن هذا النمط من الإسلام هو الذي يفضله أصدقاء المستبدين والدكتاتوريين في العالم العربي من أمثال روس، وهو التوجه الذين يرغبون في رؤية الإدارة الأمريكية تدعمه وتشجعه.

أنصار التفسير الثالث يشتركون مع منتسبي التفسير الثاني في كثير من الخواص، وبشكل خاص في النزعة السلفية والظاهرية والقطعية، إلا أنهم ينهجون سياسة من نوع مختلف تماماً. إنهم فوضويون وهابيون، أبرز تجلياتهم القاعدة وداعش، التنظيمان اللذان عقدا العزم على الزج بالعالم الإسلامي في حرب عبثية لا تنتهي مع كفار داخل والخارج. مثل “الإسلام الاستبدادي”، يتخذ هذا النمط من الإسلام موقفاً معارضاً بشدة للديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات الفردية، ويعادي جهاراً نهاراً الإسلام الديمقراطي والتعويل على المشاركة السياسية سبيلا للتغيير.

هذه هي الخارطة الفكرية للعالم الإسلامي اليوم. وعلى الإدارة الأمريكية التدبر ملياً في أي اتجاه تفضل رؤية المنطقة تتخذه. عليها أن تقرر ما هو الإسلام الذي تريد: إسلام سلمي ديمقراطي، لا غنى عنه لتحقيق استقرار حقيقي بعيد المدى، أو إسلام فوضوي مدمر هو إسلام القاعدة وداعش بجذوره الوهابية السعودية.

في ذورة مشروع المحافظين الجدد كانت كونداليزا رايس قد أقرت بأنه “ولستة عقود، تحددت علاقة الولايات المتحدة بالشرق الأوسط من خلال صفقة أساسية: نحن دعمنا الأنظمة الاستبدادية وهم دعموا مصلحتنا المشتركة في تحقيق الاستقرار الإقليمي”، واعترفت بأن “تلك الصفقة أنتجت استقراراً زائفاً.” من المذهل حقاً أنه، وبعد ما يزيد عن عقد من الزمن، وبعد أن منيت الولايات المتحدة بهزيمتين عسكريتين واضطرت إلى انسحابات متسرعة ومتعاقبة، ورغم العديد من الانتفاضات الشعبية في طول المنطقة وعرضها، ها هي الإدارة الأمريكية تجر تارة أخرى إلى نفس الاستراتيجية الكارثية – والتي تعهد أوباما قبل انتخابه بمراجعتها والقطع معها نهائيا.

قد تكون الموجة الأولى من “الربيع العربي” قد انحسرت بفعل الضغوط الهائلة للمؤامرات التي حاكها “حلفاؤنا الخليجيون” لتدمير الحياة السياسية – مستخدمين دولارات النفط والفوضى المصطنعة – في كل موقع سعت الإرادة العربية فيه إلى إثبات وجودها. إلا أن المطالب الشعبية الأساسية التي من أجلها انطلق هذا الحراك لم تتلاش ولم تتراجع. أصدقاء روس، الذين رقصوا وصفقوا ابتهاجاً بانزلاق مصر نحو هوة دموية من الانقلابات العسكرية، قد يفلحون في تأجيل التغيير، ولكن فقط إلى حين. عاجلاً أم آجلاً، سيدركون هم وكفلاؤهم في واشنطن وأوروبا بأن مطالب الجماهير العربية بتقرير المصير من خلال الدساتير الديمقراطية والبرلمانات المنتخبة بحرية والحكومات الممثلة للشعوب والمسؤولة أمامها لن يكون من اليسير وأدها، وذلك لسبب بسيط جداً، وهو أنها مطالب حقيقية ومشروعة بالكامل.

أكتوبر 272015
 

 


2014101091252391734_20

 

منذ أن تم رسم خريطة الشرق الأوسط من خلال اتفاقية سايكس بيكو في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ومنذ تراجع الأتراك لصالح البريطانيين والفرنسيين، لم يحدث أي تحد للحدود التي تم ترسيمها بين الدول العربية حتى في أوج النزعة القومية العربية.

مغامرة صدام حسين في الكويت انتهت إلى كارثة كلفته نظامه، وفي نهاية المطاف كلفته حياته! لكن بعد عقدين من الزمن، من سخرية القدر أن مجموعة صغيرة مغمورة تتمكن من تحقيق ما عجز الجيش العراقي العظيم عن القيام به في 1990. إذ أعلن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) عن سيطرته على رقعة شاسعة من أراضي العراق وسوريا ماحيا الحدود الراسخة بين البلدين، مما يعني بأنه قد قام بنجاح بتنفيذ أول تحد لترتيبات سايكس بيكو.

التاريخ يزخر بالعديد من المنظمات المتطرفة الغامضة، والتي بُنيت على أفكار منحرفة، لم تكن غالبا ذات طابع ديني، تعددت أهدافها بينالإجرامية البحتة والمتحورة حول شخصيات سايكوباتية مرضية، أو الطوباويات اللاواقعية . داعش ليست استثناء غير مسبوق، لكن ما يميزها ليس تعصبها الشديد، ولا أساليبها الوحشية، لكن فجئية صعودها وسرعة توسعها الإقليمية المذهلة.

ففي غضون بضعة أشهر، استطاعت داعش، وهي الفصيل الهامشي غير المعروف، أن تحتل مركز الصدارة في السياسة الدولية، وأن تهدد وجود دول وحكوماتها الإقليمية برمتها، وأعادت تحديد الجغرافيا السياسية للمنطقة، وحتى تمكنت من جلب الأعداء اللدودين معا حول هدف مشترك لهزيمتها. من إيران وقطر إلى الولايات المتحدة وممالك الخليج.

صعود غير متوقع

التفاسير الي لا تنتهي عن الأصول الدينية لداعش، والميول التكفيرية،وشرعنتها  لأساليبها الوحشية إستنادا للثيولوجيا الإسلامية، كلها عديمة الفائدة في فهم أسباب الصعود غير المتوقع لداعش.

الجغرافيا السياسية المتغيرة هي التي تحمل الإجابات على الأسئلة هذه المرة. فما أعطى داعش – ويواصل منحها- الزخم  والانتشار هو الفراغ الاستراتيجي والسياسي الناتج عن تراجع نفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، والمشرق العربي بشكل أكثر تحديدا.

الولايات المتحدة لم تعد قادرة على مراقبة وضبط إيقاع الأحداث في هذه المنطقة من العالم. موجة الضربات الاستباقية التي أطلقها المحافظون الجدد انتهت بهزمتين عسكريتين متتاليتين عرت حدود القوة العسكرية الأمريكية وكشفت أنه بفضل التفوق الناري لجيشها بإمكانها إسقاط الأنظمة وتفكيك الأوضاع القائمة، لكنها عاجزة تماما عن إعادة بنائها وتركيبها من جديد. وفي خضم الفراغ الذي خلفته الحروب الأمريكية، صنعت الولايات المتحدة تربة خصبة لنمو الجماعات المتطرفة العنيفة، ولاستعار النزاعات الداخلية العرقية والطائفية.

المفارقة الأخرى أن الأمريكيين يجدون أنفسهم اليوم مضطرين للعودة إلى الشرق الأوسط، بعد أن اضطروا للإنسحاب منه مكرهين لتركيز ما تبقى من قوتهم على التهديد المتصاعد الذي يشكله الصعودالصيني.

لكن أمريكا أوباما غير أمريكا بوش، تلك التي حشدت أساطيلها ضد صدام حسين. اليوم تعود أمريكا لأرض المعركة مرتعدة الفرائص تكسوها الكدمات والكسور.

الفراغ الجيوسياسي الذي ظهر مع تراجع قوة الولايات المتحدة ما بعد حرب أفغانستان والعراق غدا أكثر وضوحا مع الثورة السورية. الولايات المتحدة وحلفاؤها في الخليج أثبتوا عجزهم عن إنهاء الصراع لصالحهم وغرقوا في صراع نفوذ لا ينتهي مع الإيرانيين والروس.

وكما هو الحال في العراق، سارعت الجماعات الجهادية لملء الفراغي السياسي المترتب عن العجز الأمريكي وأوجدت حاضنة اجتماعية مثاليةلها بفعل التمييز الطائفي الذي تعرضت له قطاعات واسعة من العراقيين.

التركيبة السكانية المعقدة

نحن نشهد اليوم انفجار التركيبة السكانية المعقدة للمجتمع العربي. في عهد الاستعمار، استطاعت الإدارات المحلية من احتواء التوترات بين التكوينات التقليدية التي لا تُعد ولا تحصى بما تحمله من الاختلافات الدينية والطائفية والعرقية والقبلية، بسياسة الاحتواء أو الإضعاف وصولا إلى القمع.

هذا الدور أخذته لاحقا دول ما بعد الاستعمار في إطار عملية تحديث فوقية مشوهة تحت راية هوية وطنية جامعة بقيت ضعيفة وهشة.

ووسط انهيار الهياكل السياسية في دول ما بعد الاستعمار مثل ليبيا والعراق وسوريا واليمن، أعادت الهويات التقليدية تأكيد نفسها مرة أخرى، لكن بطريقة أكثر دموية وصخبا. السنة والشيعة والأكراد والعرب والمسلمون والمسيحيون، الجميع انزلق في أتون معركة دامية ضد الجميع في مسار أليم من التدمير المنهجي للذات.

كان هذا المناخ من العداء المرضي، والفوضى الاجتماعية والأزمة السياسية هو الحاضنة الأقوى للتطرف الإسلامي. اختلطت المظالم السياسية بالضغائن العرقية والطائفية لإنتاج خطاب الكراهية الذي تبناهتنظيم القاعدة أو داعش ومن شابهها من الجهاديين.

ثمن الفشل

اليوم، تدفع المنطقة فشل عملية التحديث الفوقي المشوه، وتفكك حدود ما بعد الاستعمارالمصطنعة وانهيار الهياكل السياسية للدول الوطنية. ومع تبخر الآمال الكبيرة التي عُقدت على الربيع العربي من إمكانية التغيير من خلال الوسائل السلمية والاحتجاجات الشعبية، عاد التطرف والعنف ليطل برأسه مرة أخرى. لكنه ومع اشتداد قبضة اليأس  غدا أشد بشاعة ودموية ورغبة في الإنتقام والفتك.

فعبر تجديد وتعزيز التحالفات القديمة مع مشايخ الخليج والأنظمة العربية الاستبدادية لإحباط التغيير الديمقراطي، والإشراف على عودة الانقلابات العسكرية ومنحها الشرعية، أرسلت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون رسالة واضحة ومدوية إلى العرب. “صناديق الاقتراع ليست لكم، فهي لا تعني لنا، ويمكن الدوس على نتائجها والتخلص منها بكل سهولة، العنف والانتقام هما السبيل الوحيد للخروج من واقعكم المريض. لا شيء يمنح شرعية أقوى لخطاب داعش من تلك الرسالة.

كانت المنطقة العربية  خلال تاريخها الحديث سجلا كبيرا لصعود وهبوط القوى العالمية. هذا المنطقة من العالم تشكل موقعا استراتيجيا دائما ما تكون تحولات موازين القوة فيه باهضة الثمن، تهرق فيها دماء غزيرة وينفرط فيها العد الإجتماعي وتهتز التركيبات السياسية. هذا حدث في تحول موازين القوى من العثمانيين إلى البريطانيين في نهاية الحرب العالمية الأولى، وإلى الأمريكيين وورثتهم بعد الحرب العالمية الثانية. اعملية الإنتقال التي تجري حاليا ليس استثناء، وموجة الاضطراب والفوضى والبؤس التي تصاحب نهاية القديم البالي وولادة جديد غامض لا يزال غير محدد المعالم ستستمر على الأرجح لتسود المنطقة لسنوات قادمة.

المصدر: 

الجزيرة.نت

أكتوبر 272015
 

12091271_1082119321824671_4570710521334574837_oبمجرد أن تم إعلان نتائج الانتخابات في تونس وتقدم نداء تونس على حركة النهضة حتى بدأت مظاهر الاحتفاء بـ”الهزيمة” التي لحقت بإسلاميي تونس مع تكرار للمبشرات القديمة الجديدة حول “فشل الاسلام السياسي” وانتصار “العلمانيين” على “الأحزاب الدينية” وغيرها. كان من الممكن أن يمر هذا الحدث الانتخابي بصورة عادية مثلما يتحدث المرء عن صعود أو نزول حزب العمال في بريطانيا أو الديمقراطيين في أمريكا لولا هذا الكم الهائل من السجال والنظريات والمبشرات التي ارتبطت بتراجع حركة النهضة أمام نداء تونس.

من الواضح أن هناك مقدمات نظرية هي أشبه ما يكون بالمسلمات تقف خلف هذه الاستنتاجات الخاطئة حول ظاهرة الأحزاب السياسية ذات الخلفية أو المرجعية الإسلامية، ومن ذلك تصور أن الإسلاميين كائنات ميتافيزيقية لا تخضع لقانون الاجتماع السياسي، وأن اللغة الدينية لهذه الأحزاب تقدم لها حصانة دائمة ومستمرة لتكون دوما في موقع المنتصر على منافسيها.

الحقيقة التي ينبغي أن ندركها هي أن الإسلاميين فاعلون سياسيون يسري عليهم ما يسري على بقية الأحزاب والهيئات السياسية، وهم معرضون للتقدم والتأخر والنجاح والفشل على السواء، ويتأثرون بطبيعة المناخات السياسية الوطنية التي يشتغلون ضمنها.

في ظل مناخ سياسي منفتح وديمقراطي يختلف الإسلاميون عن نظرائهم ممن يتحركون في مناخات قمع واستبداد، كما أن طبيعة المحيط الاجتماعي العام يطبع الإسلاميين ويحدد إلى حد كبير مواقفهم الفكرية والسياسية، فإسلاميو اليمن مثلا الذين يشتغلون في مناخ قبلي أو إسلاميو العراق ولبنان الذين يعملون في مناخ التقسيمات الطائفية يختلفون إلى حد كبير عن إسلاميي تونس أو الجزائر أو المغرب المتواجدين ضمن بيئات أكثر انفتاحا ثقافيا وسياسيا. بل إن ذات المكون الإسلامي تختلف أوضاعه في نفس البلد الواحد بمجرد حصول تحول في الفضاء السياسي العام الذي يعمل فيه، وهذا ما ينطبق على حركة النهضة التونسية نفسها، التي انتقلت من طور المعارضة السياسية الجذرية إلى طور الحزب الحاكم نتيجة المتغيرات التي فرضتها الثورة التونسية.

إن الوعاء الاصطلاحي المستخدم في الإحالة إلى الأحزاب والحركات ذات المرجعية الإسلامية جزء من الأشكال لكونه تعميميا وملتبسا وغارقا في الصور والإيحاءات السلبية. فمصطلحا الإسلام السياسي polotical Islam والإسلاموية Islamism يؤشران إلى دلالات متناقضة رؤية ومنهجا، من فوضويي القاعدة وداعش وسلفيي الوهابية الرسميين الذين يشتركون في رفض الديمقراطية واعتبارها متعارضة مع الإسلام، إلى أحزاب سياسية، كالنهضة التونسية والعدالة والتنمية في المغرب، تسعى إلى تأسيس الآليات والإجراءات الديمقراطية في إطار المرجعية الإسلامية ولا ترى تضاربا بين القيم الإسلامية ومفاهيم حقوق الإنسان والحريات العامة والفردية.

لذلك ربما كان من الأدق والأجدى التخصيص عند الإشارة إلى هذه التيارات والحركات السياسية والحديث عن “الديمقراطيين الإسلاميين” أو “الإسلام السياسي الديمقراطي”.

ما هو مؤكد أن قوى الإسلام السياسي هي بدرجة أولى منتج ظاهرتين متلازمتين أولاهما تيار التحديث في المنطقة بكل توتراته ومخلفاته وكذا نجاحاته وإخفاقاته، ومن ذلك التمركز الحضري والتعليم الحديث. أما الثاني فهو الدولة الوطنية أو المحلية فالإسلاميون كلما كانوا أكثر تأثرا واصطباغا بالسياقات المحلية كلما انصب اهتمامهم بدرجة أولى على المشاغل الوطنية وكانوا أكثر عرضة لتأثيراتها.

بهذا المعنى تظل أولوياتهم وطنية وإن تحدثوا عن الأمة الإسلامية الجامعة التي تبقى مجرد تضامن شعوري معنوي لا غير. هذا ما يفسر إلى حد كبير اختلاف تيارات الإسلام السياسي باختلاف البيئة الوطنية.

من هنا نقول إنه يتوجب التخلص من الهالة السحرية التي تضفى على ظواهر الإسلام السياسي الناتجة عن قراءة ما يسمى بـ”الأصولية” منظورا إليها ككتلة من الانفعالات والغضب تحركها النوازع والأهداف الدينية، وموضعتها في ظروف الزمان والمكان حتى نعيد الأمور إلى نصابها ولا يصاب الباحث أو المراقب أو الصحفي بداء التعميم والتبسيط على النحو الغالب اليوم.

إن نجاح أو فشل حركة النهضة في اختبار الانتخابات يجب أن نجرده من الاعتبارات الدينية أو الأخلاقية وننظر إليه باعتباره ظاهرة عادية وطبيعية في نظام ديمقراطي حيث تصعد فيه قوى وتنزل أخرى، كما أن مقولة انتصار العلمانيين على الإسلاميين ربما تجد هوى لدى العديد من الكتاب والسياسيين وربما تستجيب لرغبة دفينة في التشفي لديهم ولكنها لا تستطيع أن تصمد أمام التحليل الموضوعي الدقيق.

الذي حصل في حقيقة الأمر لَا علاقة له بالايديولوجيا ولا بالدين والعلمانية بقدر ما له علاقة بالتوازنات السياسية المحلية في تونس والأوضاع الجغرافية السياسية المحيطة بها، وإذا كان من الواضح أن الناخب التونسي قد اتجه إلى إعطاء صوته إلى حزبين كبيرين هما النداء والنهضة بما يعكس واقع الاستقطاب السياسي بين هذين الكتلتين. كَمَا أن التقدم النسبي الذي أحرزه نداء تونس يدل على ميل الكفة نسبيا لصالح القوى القديمة التي أعادت هيكلة نفسها  وتجديد خطابها وبعض وجوهها على حساب القوى الجديدة التي صعدت بعد الثورة، وهذا يعكس واقع الربيع العربي المتعثر وتأثير المحيط السياسي على تونس وقوى التغيير في المنطقة عامة.

فقد ارتقت حركة النهضة إلى سدة الحكم في أجواء صعود موجة التغيير في العالم العربي عامة، وهي تتراجع اليوم مع عودة القوى القديمة وأجواء الانقلابات العسكرية في المنطقة. لم يكن بمقدور تونس الصغيرة أو حركة النهضة أن تكسر هذه الموجة وأن قدرت على كبحها نسبيا من خلال استمرار تجربتها الديمقراطية الوليدة .

كما أن ما جرى في تونس يعكس على نحو أو آخر قانونا عاما يخص تحمل أعباء الحكم بكل تحدياته ومخاطره في مرحلة ما بعد الثورة. إِ ذ بينت أغلب الثورات السياسية أن القوى التي تتصدر المشهد في أجواء ما بعد الثورات غالبا ما ينتكس حضورها الشعبي بحكم أن الثورات السياسية توقد مشاعر الناس وترتفع بتطلعاتهم إلى مستويات عليا بما يجعل من غير الممكن تحقيق هذه الانتظارات.

الدليل على ذلك أن الأحزاب العلمانية التي تحالفت مع النهضة والتي شاركتها عبئ الحكم قد منيت بهزيمة قاسية، إذ لم يتحصل حزب المؤتمر الذي يقوده الرئيس المرزوقي على أكثر من 4 مقاعد في حين لم يفز حزب التكتل بقيادة بن جعفر بمقعد واحد. يضاف إلى ذلك طبيعة المخاطر والتحديات التي رافقت التجربة التونسية بتأثير المحيط الجغرافي المباشر وغير المباشر من ليبيا جنوبا إلى جنوب الصحراء، وصعودالاٍرهاب نتيجة انتشار السلاح في ليبيا المجاورة واتساع دائرة الفوضى والصراعات والحروب في المنطقة عامة. يجب ألا ننسى أيضا الصعوبات الاقتصادية التي واجهت البلد نتيجة الهزات السياسية ومناخات الاضطراب، ثم تأثير الأزمة الاقتصادية للبلدان الأوروبية التي يرتبط بِها الاقتصاد التونسي أشد الارتباط.

من المؤكد أن نتائج الانتخابات التونسية ستكون لها تأثيرات ملموسة على حركة النهضة وتدفعها نحو مزيد التكيف مع المحيط والتجديد والتطور ضمن مناخ ديمقراطي أكثر انفتاحا. لكن ما هو مهم هو أن يقرأ هذا الحزب -شأنه في ذلك شأن ما سمي بالإسلام السياسي- باعتبارها ظاهرة سياسية اجتماعية معرضة للتقدم وللتراجع، بدلا عن النظر إليه كظاهرة خارقة للتاريخ.

على الخبراء والصحافيين الغربيين أن يتخلصوا من النزعة الغرائبية والتفسيرات الثقافوية أو الأيديولوجية للأحزاب السياسية ذات الخلفية الإسلامية والتي تتجه في مناخ ديمقراطي إلى أن تتحول لأحزاب ديمقراطية محافظة مثل الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا، و ربما تكون تونس ما بعد الثورة مختبرا لتطور الإسلام السياسي في هذا المنحى المستقبلي. ولكن متى يستطيع هؤلاء التخلص من تحيزاتهم الأيديولوجية ويروا الواقع الإسلامي كما هو، بِكُل تعقيداته وتضاريسه المتنوعة؟