أكتوبر 272015
 

15784340861_82268138ab_o

 

على الرغم من الاضطرابات التي تحيط بتونس، إلا أن مجتمعها المتماسك وحكمة حركة النهضة قد أوصلا البلد إلى الانتخابات الديمقراطية الثانية منذ الثورة.

تستعد الآن تونس لثاني انتخابات حرة وتعددية منذ الثورة والإطاحة بالديكتاتور زين العابدين بن علي في يناير عام 2011، في حين تبدو بقية دول الربيع العربي – مصر، ليبيا، سوريا، البحرين واليمن – في تراجع إما إلى حالة من الفوضى أو الحرب الأهلية أو العودة إلى عصر كئيب وحشي من الانقلابات العسكرية، تونس من جانبها يبدو أنها صمدت أمام العواصف القوية التي اشتعلت من حولها، وستنتخب ممثليها في البرلمان اليوم الأحد.

تبنت الدولة دستورًا ديمقراطيًا عصريًا فاز بموافقة 93٪ من الأحزاب السياسية المتنوعة فيها، وهو الدستور الأكثر تقدمية في المنطقة العربية، يكرس حقوق المرأة، وحرية الاعتقاد والضمير، كما يمنع التحريض على العنف والتكفير.

وقد وضعت تونس هيئة مستقلة مهمتها الإشراف على الانتخابات التشريعية والرئاسية التي من المقرر عقدها خلال الشهر المقبل.

وعلى الرغم من كل ذلك، إلا أن تونس لم تصل إلى شاطئ الأمان بعد، فعلى حدودها الجنوبية توجد ليبيا التي تعيش أوضاعًا مضطربة، مع الفوضى المتفشية وانتشار السلاح وتفكك الدولة، مالي الواقعة في جنوب الصحراء الكبرى هي الأخرى في قبضة الإرهاب، أما التهديدات الأكثر خطورة فهي المتأتية من الكتلة الخليجية التي صممت على إسقاط ما تبقى من الربيع العربي عبر قوة البترو دولار، وعلى الرغم من أن تونس تبدو محظوظة نسبيًا بسبب موقعها الجغرافي البعيد عن مركز الثورة المضادة، إلا أنها ليست بمنأى تمامًا عن آثاره المدمرة.

قد يكون أقوى ما تمتلكه تونس هو مجتمعها المتماسك، فليس هناك انقسامات عرقية أو طائفية أو دينية أو قبلية، وحتى الخلافات السياسية والأيديولوجية لا تتحول إلى انقسامات عمودية مجتمعية كما يحدث في العراق وسوريا ولبنان، وبحكم عملية التحديث التي بدأت في القرن التاسع عشر فإن معظم سكان البلاد يقطنون في المراكز الحضرية وقد حصلوا على تعليم جيد نسبيًا، كما توجد طبقة وسطى واسعة ومجتمع مدني نشيط.

وإذ تم الاحتفاء على نطاق واسع بجيشي مصر وتونس واعتبارهما “حماة للثورة” بعد سقوط حسني مبارك وزين العابدين بن علي، إلا أن الأدوار التي لعبها الطرفان متباينة إلى حد كبير، فينما شرع جيش مصر في الاستيلاء على السلطة والحكم بقبضة حديدية، تراجع الجيش التونسي بهدوء وعاد إلى ثكناته، لم يكن هذا من قبيل المصادفة، بل ينبع من اختلاف الوظائف التي مارستها المؤسستان العسكريتان في تاريخ البلدين المعاصر.

فقد كان الحبيب بورقيبة، أول رئيس لتونس بعد الاستقلال، شديد الريبة من الجيش، حريصًا على منع تكرار سيناريو الانقلابات التي قام بها جمال عبد الناصر في مصر، وحزبا البعث في سوريا والعراق، مبقيًا على الجيش في ثكناته، وهكذا اقتصر دور الجيش التونسي على حماية الحدود الهادئة نوعًا ما بعيدًا عن السياسة قدر الإمكان، أما الحكم الأبوي لبورقيبة، فقد استند إلى مزيج من شرعية التحرير والاستقلال، وكاريزميته الشخصية، وجرعات من قمع البوليس  الذي أصبح أساس حكم بن علي، وهي التي حولت تونس إلى دولة بوليسية كاملة.

وهكذا ترك الشأن السياسي في تونس للسياسيين وخلا من الحضور الطاغي لرجال الجيش وظلهم المتمدد في كل مكان، وهكذا تمكنت السياسة في تونس من التطور بشكل عفوي وسلس إلى حد ما وسط حالة اللايقين التي تلت الثورة.

وبينما اتبعت جماعة الإخوان المسلمين المصرية مبدأ المعادلة الصفرية أو أن “الفائز يحصل على كل شيء” بعد حصولها على أغلبية الأصوات في الانتخابات، سعى حزب النهضة التونسي  إلى تشكيل تحالفات سياسية مع الأحزاب العلمانية المعتدلة.

وبعد أن فاز النهضة بانتخابات الجمعية التأسيسية عام 2011، دعا إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية وشرع في تقاسم السلطة مع حزبين ذوي ميول يسارية وليبرالية (المؤتمر، والتكتل) ضمن ما عُرف باسم الترويكا، هذا الالتزام من قبل النهضة لبناء توافق في الآراء حمى تونس من الاستقطاب الأيديولوجي الحاد الذي شوه الحياة السياسية المصرية؛ ما مهد الطريق لعودة الحرس القديم.

وعندما انحدرت تونس إلى أزمة  عميقة بعد الانقلاب العسكري في مصر، والذي حدث بالتزامن مع اغتيال عضو في المعارضة التونسية، تخلى حزب النهضة عن السلطة لصالح حكومة تكنقراط مستقلة تدير شئون البلاد فيما تبقى من المرحلة الانتقالية، وهو القرار الذي أثار غضب جزء من أفراد الحزب وسخط قواعده.

بفضل هذا الوعي بتعقد المرحلة الانتقالية والمخاطر المتأتية من المنطقة، تمكنت النهضة من حقن دماء التونسيين وإبقاء الديمقراطية الوليدة في تونس في مسارها الصحيح.

يبدو أن زعماء حزب النهضة وعبر سنوات المنفى الطويلة في العواصم الأوروبية، تعلموا فن التوافق وتقديم التنازلات عند الضرورة، أي أن تعقيدات العالم عند السياسة تقتضي عقد التسويات اللازمة وتغيير الائتلافات والتحالفات عند الضرورة.

ما يحدث في تونس هام للغاية، ليس فقط بالنسبة لـ11 مليون تونسي لكن للمنطقة ككل، فولادة أول ديمقراطية عربية كاملة الأهلية من شأنه أن يقدم نموذجًا ملهمًا في زحمة الأصوات المحمومة الداعية لليأس والإحباط، من ديكتاتوريين عسكريين، ورجال دين فاسدين، وفوضويين متشددين، تونس التي شقت للعرب طريقًا للخروج من سجن الديكتاتورية قبل ثلاث سنوات، تثبت اليوم مرة أخرى أنه يمكن بناء دولة ديمقراطية على أنقاض النظام القديم، رغم ما قد يعتري الطريق من مشاق مضنية.

 

المصدر:

صحيفة الغاردين البريطانية

 Posted by at 9:25 م
أكتوبر 272015
 

12091271_1082119321824671_4570710521334574837_oبمجرد أن تم إعلان نتائج الانتخابات في تونس وتقدم نداء تونس على حركة النهضة حتى بدأت مظاهر الاحتفاء بـ”الهزيمة” التي لحقت بإسلاميي تونس مع تكرار للمبشرات القديمة الجديدة حول “فشل الاسلام السياسي” وانتصار “العلمانيين” على “الأحزاب الدينية” وغيرها. كان من الممكن أن يمر هذا الحدث الانتخابي بصورة عادية مثلما يتحدث المرء عن صعود أو نزول حزب العمال في بريطانيا أو الديمقراطيين في أمريكا لولا هذا الكم الهائل من السجال والنظريات والمبشرات التي ارتبطت بتراجع حركة النهضة أمام نداء تونس.

من الواضح أن هناك مقدمات نظرية هي أشبه ما يكون بالمسلمات تقف خلف هذه الاستنتاجات الخاطئة حول ظاهرة الأحزاب السياسية ذات الخلفية أو المرجعية الإسلامية، ومن ذلك تصور أن الإسلاميين كائنات ميتافيزيقية لا تخضع لقانون الاجتماع السياسي، وأن اللغة الدينية لهذه الأحزاب تقدم لها حصانة دائمة ومستمرة لتكون دوما في موقع المنتصر على منافسيها.

الحقيقة التي ينبغي أن ندركها هي أن الإسلاميين فاعلون سياسيون يسري عليهم ما يسري على بقية الأحزاب والهيئات السياسية، وهم معرضون للتقدم والتأخر والنجاح والفشل على السواء، ويتأثرون بطبيعة المناخات السياسية الوطنية التي يشتغلون ضمنها.

في ظل مناخ سياسي منفتح وديمقراطي يختلف الإسلاميون عن نظرائهم ممن يتحركون في مناخات قمع واستبداد، كما أن طبيعة المحيط الاجتماعي العام يطبع الإسلاميين ويحدد إلى حد كبير مواقفهم الفكرية والسياسية، فإسلاميو اليمن مثلا الذين يشتغلون في مناخ قبلي أو إسلاميو العراق ولبنان الذين يعملون في مناخ التقسيمات الطائفية يختلفون إلى حد كبير عن إسلاميي تونس أو الجزائر أو المغرب المتواجدين ضمن بيئات أكثر انفتاحا ثقافيا وسياسيا. بل إن ذات المكون الإسلامي تختلف أوضاعه في نفس البلد الواحد بمجرد حصول تحول في الفضاء السياسي العام الذي يعمل فيه، وهذا ما ينطبق على حركة النهضة التونسية نفسها، التي انتقلت من طور المعارضة السياسية الجذرية إلى طور الحزب الحاكم نتيجة المتغيرات التي فرضتها الثورة التونسية.

إن الوعاء الاصطلاحي المستخدم في الإحالة إلى الأحزاب والحركات ذات المرجعية الإسلامية جزء من الأشكال لكونه تعميميا وملتبسا وغارقا في الصور والإيحاءات السلبية. فمصطلحا الإسلام السياسي polotical Islam والإسلاموية Islamism يؤشران إلى دلالات متناقضة رؤية ومنهجا، من فوضويي القاعدة وداعش وسلفيي الوهابية الرسميين الذين يشتركون في رفض الديمقراطية واعتبارها متعارضة مع الإسلام، إلى أحزاب سياسية، كالنهضة التونسية والعدالة والتنمية في المغرب، تسعى إلى تأسيس الآليات والإجراءات الديمقراطية في إطار المرجعية الإسلامية ولا ترى تضاربا بين القيم الإسلامية ومفاهيم حقوق الإنسان والحريات العامة والفردية.

لذلك ربما كان من الأدق والأجدى التخصيص عند الإشارة إلى هذه التيارات والحركات السياسية والحديث عن “الديمقراطيين الإسلاميين” أو “الإسلام السياسي الديمقراطي”.

ما هو مؤكد أن قوى الإسلام السياسي هي بدرجة أولى منتج ظاهرتين متلازمتين أولاهما تيار التحديث في المنطقة بكل توتراته ومخلفاته وكذا نجاحاته وإخفاقاته، ومن ذلك التمركز الحضري والتعليم الحديث. أما الثاني فهو الدولة الوطنية أو المحلية فالإسلاميون كلما كانوا أكثر تأثرا واصطباغا بالسياقات المحلية كلما انصب اهتمامهم بدرجة أولى على المشاغل الوطنية وكانوا أكثر عرضة لتأثيراتها.

بهذا المعنى تظل أولوياتهم وطنية وإن تحدثوا عن الأمة الإسلامية الجامعة التي تبقى مجرد تضامن شعوري معنوي لا غير. هذا ما يفسر إلى حد كبير اختلاف تيارات الإسلام السياسي باختلاف البيئة الوطنية.

من هنا نقول إنه يتوجب التخلص من الهالة السحرية التي تضفى على ظواهر الإسلام السياسي الناتجة عن قراءة ما يسمى بـ”الأصولية” منظورا إليها ككتلة من الانفعالات والغضب تحركها النوازع والأهداف الدينية، وموضعتها في ظروف الزمان والمكان حتى نعيد الأمور إلى نصابها ولا يصاب الباحث أو المراقب أو الصحفي بداء التعميم والتبسيط على النحو الغالب اليوم.

إن نجاح أو فشل حركة النهضة في اختبار الانتخابات يجب أن نجرده من الاعتبارات الدينية أو الأخلاقية وننظر إليه باعتباره ظاهرة عادية وطبيعية في نظام ديمقراطي حيث تصعد فيه قوى وتنزل أخرى، كما أن مقولة انتصار العلمانيين على الإسلاميين ربما تجد هوى لدى العديد من الكتاب والسياسيين وربما تستجيب لرغبة دفينة في التشفي لديهم ولكنها لا تستطيع أن تصمد أمام التحليل الموضوعي الدقيق.

الذي حصل في حقيقة الأمر لَا علاقة له بالايديولوجيا ولا بالدين والعلمانية بقدر ما له علاقة بالتوازنات السياسية المحلية في تونس والأوضاع الجغرافية السياسية المحيطة بها، وإذا كان من الواضح أن الناخب التونسي قد اتجه إلى إعطاء صوته إلى حزبين كبيرين هما النداء والنهضة بما يعكس واقع الاستقطاب السياسي بين هذين الكتلتين. كَمَا أن التقدم النسبي الذي أحرزه نداء تونس يدل على ميل الكفة نسبيا لصالح القوى القديمة التي أعادت هيكلة نفسها  وتجديد خطابها وبعض وجوهها على حساب القوى الجديدة التي صعدت بعد الثورة، وهذا يعكس واقع الربيع العربي المتعثر وتأثير المحيط السياسي على تونس وقوى التغيير في المنطقة عامة.

فقد ارتقت حركة النهضة إلى سدة الحكم في أجواء صعود موجة التغيير في العالم العربي عامة، وهي تتراجع اليوم مع عودة القوى القديمة وأجواء الانقلابات العسكرية في المنطقة. لم يكن بمقدور تونس الصغيرة أو حركة النهضة أن تكسر هذه الموجة وأن قدرت على كبحها نسبيا من خلال استمرار تجربتها الديمقراطية الوليدة .

كما أن ما جرى في تونس يعكس على نحو أو آخر قانونا عاما يخص تحمل أعباء الحكم بكل تحدياته ومخاطره في مرحلة ما بعد الثورة. إِ ذ بينت أغلب الثورات السياسية أن القوى التي تتصدر المشهد في أجواء ما بعد الثورات غالبا ما ينتكس حضورها الشعبي بحكم أن الثورات السياسية توقد مشاعر الناس وترتفع بتطلعاتهم إلى مستويات عليا بما يجعل من غير الممكن تحقيق هذه الانتظارات.

الدليل على ذلك أن الأحزاب العلمانية التي تحالفت مع النهضة والتي شاركتها عبئ الحكم قد منيت بهزيمة قاسية، إذ لم يتحصل حزب المؤتمر الذي يقوده الرئيس المرزوقي على أكثر من 4 مقاعد في حين لم يفز حزب التكتل بقيادة بن جعفر بمقعد واحد. يضاف إلى ذلك طبيعة المخاطر والتحديات التي رافقت التجربة التونسية بتأثير المحيط الجغرافي المباشر وغير المباشر من ليبيا جنوبا إلى جنوب الصحراء، وصعودالاٍرهاب نتيجة انتشار السلاح في ليبيا المجاورة واتساع دائرة الفوضى والصراعات والحروب في المنطقة عامة. يجب ألا ننسى أيضا الصعوبات الاقتصادية التي واجهت البلد نتيجة الهزات السياسية ومناخات الاضطراب، ثم تأثير الأزمة الاقتصادية للبلدان الأوروبية التي يرتبط بِها الاقتصاد التونسي أشد الارتباط.

من المؤكد أن نتائج الانتخابات التونسية ستكون لها تأثيرات ملموسة على حركة النهضة وتدفعها نحو مزيد التكيف مع المحيط والتجديد والتطور ضمن مناخ ديمقراطي أكثر انفتاحا. لكن ما هو مهم هو أن يقرأ هذا الحزب -شأنه في ذلك شأن ما سمي بالإسلام السياسي- باعتبارها ظاهرة سياسية اجتماعية معرضة للتقدم وللتراجع، بدلا عن النظر إليه كظاهرة خارقة للتاريخ.

على الخبراء والصحافيين الغربيين أن يتخلصوا من النزعة الغرائبية والتفسيرات الثقافوية أو الأيديولوجية للأحزاب السياسية ذات الخلفية الإسلامية والتي تتجه في مناخ ديمقراطي إلى أن تتحول لأحزاب ديمقراطية محافظة مثل الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا، و ربما تكون تونس ما بعد الثورة مختبرا لتطور الإسلام السياسي في هذا المنحى المستقبلي. ولكن متى يستطيع هؤلاء التخلص من تحيزاتهم الأيديولوجية ويروا الواقع الإسلامي كما هو، بِكُل تعقيداته وتضاريسه المتنوعة؟