نوفمبر 242015
 

FullSizeRender

 

مرة أخرى نَجِد أنفسنا محاصرين  بين مطرقة الإرهاب وسندان اليمين الأوروبي المتطرف والمحافظيين الجمهوريين الجدد على الطرف الآخر من الأطلس، فكما أن لكل حرب دعاتها ومروجيها الذين يستفيدون من أحزانها وخرابها وشلال دمائها، فكذلك هو الحال بالنسبة للإرهاب. فإلى جانب ضحاياه ومنفذيه، للإرهاب تجاره الذين يستتثمرون أهواله وفوضاه ومناخات الخوف والتوتر التي يخلقها. بالنسبة لهؤلاء تمثل  كل عملية تفجير وإزهاق للأرواح فرصة ذهبية لإحياء مفاهيم العنصرية المتغطرسة في قالب من الإسلاموفوبيا الجديدة. وهكذا يتسنى لهم تطبيع الرأي العام مع هذا الخطاب العنصري والانتقال به من الهامش إلى المركز، وكسب مزيد من أصوات الناخبين. المستهدفون اليوم من هذا الخطاب العنصري لم يعودوا يوصفون بالأفارقة والآسيويين أو السود و الملونين، بل بالمسلمين أوالعرب أوالشرق أوسطيين أو السوريين. عندما يتعلق الأمر بهؤلاء  المنبوذين الجدد تخرق جميع الحدود، ويفصح عن اللامقول والمضمر ويغدو المحظور مباحا.

قبل انقشاع الغبار عن باريس، ترددت من جديد أصداء المعزوفة القديمة الممجوجة التي تقسم العالم إلى “نحن” و”هم”؛ وعادت مقولة إن “قيمنا الغربية المستنيرة” منخرطة في صراع وجودي ضد دينهم الغريب وهمجيتهم وثقافتهم المتوحشة. طبعا كلمة “هم” في هذا السياق لا تحيل  إلى جماعات العنف المتعصبة والمتطرفة التابعة لتنظيم القاعدة أو داعش، بل إلى مئات الملايين من المسلمين المنتشرين في شتى أنحاء العالم وقاراته الخمس، هكذا يجد المسلم العادي  في إندونيسيا أو ماليزيا أو بنغلادش أو السنغال نفسه فجأة مصنفا ضمن خانة العدو  المتربص “بنا”، المهدد لحضارتنا الغربية وقيمنا السامية وأنماط  حياتنا الراقية.

ما يستدعي القلق في هذا السياق هو أن هذا الخطاب الذي عادة ما ينحصر في أوروبا داخل أوساط اليمين المتطرف، أضحى يكتسب تأييدا واسعا ومطردا داخل تيار الجمهوريين في الولايات المتحدة الأمريكية، والمفارقة العجيبة أنه في حين صرح  الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أمام مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية الفرنسية بعد الهجمات التي طالت عاصمة بلاده أننا (أي الفرنسيين) “لسنا منخطرين في حرب حضارات، لأن القتلة لا يمثلون أي حضارة”، فإنه  على بعد آلاف الأميال، وعلى الجانب الآخر من الكرة الأرضية، انبرى الجمهوريون يدافعون بشراسة عن مقولات حرب الثقافات والحضارات.

احتلت مقولة الصراع الأزلي بين الإسلام والغرب موقع الصدارة في نقاشات الجمهوريين ومناظراتهم لاختيار مرشحهم الرئاسي؛ فماركو روبيو، عضو مجلس الشيوخ الكوبي الأصلي، ذهب إلى حد مقارنة الإسلام بالنازية، وذلك في سياق رده الغاضب على تصريحات هيلاري كلينتون بأنها لا تعتقد بأن الولايات المتحدة في حالة حرب مع الإسلام، قائلا: “هذا الأمر أشبه ما يكون  بالقول إننا لم نكن في حالة حرب مع النازيين، لأننا كنا نخشى الإساءة لبعض الألمان الذين ربما كانوا أعضاء في الحزب النازي، ولكنهم لم يكونوا عنيفين”، وتابع روبيو قائلا: “إننا إزاء صراع حضارات. إنهم لا يكرهوننا لأننا نملك حضورا عسكريا في الشرق الأوسط، بل يكرهوننا بسبب قيمنا”.

وكشأن اليمين المتطرف في أوروبا، عمد الجمهوريون إلى إثارة قضية  اللاجئين السوريين في سياق هجمات باريس الإرهابية؛  فكما سارعت مارين لوبان زعيمة الجبهة الوطنية المعادية للأجانب للمطالبة بـ”الوقف الفوري” لقبول اللاجئين السوريين في فرنسا، اصطف الجمهوريون في خندق واحد منادين بفرض حظر على أي مهاجرين من “الشرق الأوسط”، حيث تعهدت مجموعة من حكام الولايات الأمريكية، معظمهم من الجمهوريين، بعدم قبول أي سوري ضمن ولاياتهم والحيلولة دون تنفيذ خطط الحكومة الساعية لإعادة توطين ما لا يزيد عن 10.000 لاجئ سوري من الفارين من الحرب الطاحنة في سوريا داخل أراضي الولايات المتحدة.

بل إن جيب بوش ذهب أبعد من ذلك، مطالبا بألا تقبل الولايات المتحدة من اللاجئين  السوريين إلا من ثبت بأنه يدين بالمسيحية، وذلك بعد تمحيص واختبارات دقيقة للتأكد من كونه مسيحيا فعلا، حيث صرح قائلا: “يجب علينا أن نركز جهودنا على اللاجئين المسيحيين الذين يذبحون” دون غيرهم. ولم تقتصر الدعوة لاعتماد نهج تمييزي تجاه قضية اللاجئين السوريين على بوش، بل تبناها عدد من كبار الجمهوريين مثل تيد كروز، الذي قال مصرحا: “إذا كان يوجد سوريون مسلمون يتعرضون للاضطهاد حقا، فيجب أن يتم إرسالهم للبلدان ذات الأغلبية المسلمة”، وأردف  موضحا: “من ناحية أخرى، يجب علينا توفير الملاذ الآمن للمسيحيين الذين يتعرضون لإبادة جماعية وصلب واضطهاد”.

إنه لأمر مخز للغاية أن تستخدم هذه اللغة المتعصبة والإقصائية من سياسيين في القرن الـ21، فالفارون  من جحيم القتل والدمار لا ينظر إليهم هنا  كبشر ضحايا يستحقون الملجأ والأمن، بل كمسيحين ومسلمين، كضحايا جيدين وآخرين  سيئين، وكأن السوريين لم يكفهم أن فقدوا كل شيء: ممتلكاتهم وبيوتهم وأرضهم وذويهم، كي يسلبهم هذا التفكير المريض حتى من صفة الضحية.

من يستمع إلى الجمهوريين وهو يوبخون أوباما وإدارته حول استراتيجيتها في منطقة الشرق الأوسط، يحسب أننا لا نزال نعيش في بواكير تسعينيات القرن المنصرم، في أعقاب الحرب الباردة، وكأن الولايات المتحدة لم تغز العراق، ولم تتعرض إلى هزيمة مؤلمة اضطرتها لانسحاب فوضوي على عجل، وقد وقع إنهاكها وإذلالها، وكأن هؤلاء الذين يطلقون اليوم  هذه التصريحات غافلون عن الفوضى والدمار الذي جلبوه على المنطقة بأسرها  بحروبهم العبثية، وغير مدركين للضرر الكبير الذي تسببوا به للولايات المتحدة  قبل غيرها. ولعل من أكبر مفارقات التاريخ الحديث أنه لا أحد بدد أحلام المحافظين الجدد بسيطرة أمريكا على العالم وقيام مشروع القرن الأمريكي الجديد، أكثر من إدارة المحافظين الجدد نفسها.

ما يزيد من خطورة خطاب الجمهوريين حول الإسلام والعالم الإسلامي، هو أن يتم نشره من خلال شبكة واسعة ونافذة من وسائل الإعلام ومراكز الفكر اليميني ليستهلكه جمهور يفتقد إمكانيات الاحتكاك  المباشر بالمسلمين، ويجهل أحوال العالم الإسلامي، وهكذا  يمتلك الخطاب المتطرف الاستبعادي الذي يميز اليمين المتطرف الأوروبي القدرة على السيطرة على تيار عريض من الرأي العام الأمريكي وتشكيل رؤيته للإسلام والمسلمين، بحكم البعد الجغرافي عن العالم العربي والإسلامي وعدم الألفة مع ثقافة المسلمين والروح المثالية الدينية الطاغية على الثقافة الأمريكية.

الحقيقة إن الثقافات والحضارات وأنماط الحياة لا تتصادم وتتصارع، بل إن البشر هم من يتصارعون، بمصالحهم وطموحاتهم وأهوائهم وأوهامهم. بدلا عن الركون إلى هذا المنطق المانوي الذي يقسم العالم إلى “نحن” و”هم”،  يجدر بأن يدفعنا التحدي الإرهابي لأن ندرك حجم  الترابط في عالمنا ووجودنا المشترك والمخاطر التي تتهددنا جميعا؛ فالإرهابيون  في نهاية المطاف لا يستفسرون عن هوية ضحاياهم قبل تمزيق أجسادهم في باريس او بيروت أو تونس. إن تلمس طريق الحل للخروج من هذه الفوضى الجنونية  التي أُقحمنا فيها جميعا منذ حوادث الحادي عشر من سبتمبر، يبدأ بنبذ هذه الثنائيات الحادة الكريهة  التي تقسم البشر إلى “نحن” و”هم”، ورفض عالم داعش المحكوم بالصراع بين المؤمنين والكافرين، وكذلك عالم اليمين المتطرف المهووس بالنقاء الأوروبي-الغربي والبغض للآخر المسلم.

المصدر: هافينغتون بوست

أكتوبر 262011
 

لا شك أن الحادي عشر من سبتمبر /أيلول كان حدثا مأساويا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ولكثير من شعوب العالم، وهو حدث ستبقى آثاره مرتسمة في الوعي والضمير الجمعيين الأمريكيين لسنوات وربما لعقود قادمة، مثلما بقيت حادثة بيرل هاربر في 1941 حاضرة بقوة في ذاكرة الأمريكيين منذ ذلك الحين. Continue reading »

 Posted by at 2:14 ص
يوليو 252008
 

واحدة من اكثر الإنتقادات الموجهة للإسلام شيوعا هو انه لا يقيم فروقا بين العلماني والمقدس. وغالبا ما يُنتقد المسلمون بالقول “يجب عدم الخلط بين الدين والدولة، وما عليك سوى القاء نظرة إلى المنطقة العربية وسلالتها البائسة من الطغاة المتلاعبين بالدين لترى صحة هذه المقولة”. Continue reading »

 Posted by at 6:49 م
يوليو 112008
 

لو التقطت اليوم اي صحيفة في بريطانيا او في اي مكان اخر في اوربا او شغلت التلفاز او ضبطت المذياع على محطة ما فغالبا ما تحصل على الانطباع ان “مجتمعاتنا” – ان لم تكن الحضارة الغربية في مجملها- تواجه الخطر الإسلامي الوشيك على غرار الأخطار القديمة للفاشستية. فمنذ التفجيرات الإرهابية لنيويورك ومدريد ولندن أصبح “خطر الأصولية” جزءا من الهواء الذي نتنفس. لقد اصبح العكاز الخطابي للجميع من الجناح اليمني المتعصب الى السياسين الإنتهازيين و”المتطرفين سابقا” التائبين كل حسب اجندته الخاصة به. Continue reading »

 Posted by at 6:47 م
أبريل 162008
 

عندما تمت مواجهة بوريس جونسون بأختياره الشائن للغة التي يصف فيها السود بـ “الأطفال السود” بـ”ابتساماتهم الشبيهة بشرائح البطيخ” كانت رددوده بين ادعاءات سوء تفسير ما قال الى الإعتذار عن الأذى الذي سببه. وعندما سأله نيك فيراري قبل ايام قليلة عن تصريحاته التي لا تقل مقتا عن الإسلام فان مرشح حزب المحافظين لرئاسة بلدية لندن انكر انه صرح بذلك ابدا. واصر على ان كين ليفنغستون رئيس بلدية لندن الحالي وزميله الضيف على البرنامج الصباحي سعى لتشويه صورته. واعلن بشدة ان الإسلام “دين سلام”. Continue reading »

 Posted by at 6:39 م
أكتوبر 242007
 

في غضون ايام قليلة ستقوم كتلة لتجمعات اليمين المتطرف تحت مسمى “تحالف اوقفوا أسلمة اوروبا” بتظاهرات في لندن وكوبنهاجن ومارسليا للمطالبة لوضع حد لما سموه “التوسع الإسلامي العلني والسري في اوربا”. وعلى الرغم من ان هذه الفعاليات ستستقطب عددا قليلا من المحتجين على الأرجح ولكن رسالتهم سيكون لها صدى واسعا. فقد انتصر حزب الشعب اليميني، وهو الحزب الذي عُرف بمعاداته الشرسة للأقليات العرقية وللمسلمين، يوم السبت في الانتخابات السويسرية حائزا على نسبة %29 من الأصوات وهو افضل اداء انتخابي لأي حزب في انتخابات البلاد منذ عام 1919. Continue reading »

 Posted by at 4:43 م
أكتوبر 182007
 

في اخبار القناة الرابعة ليلة امس تمسك مارتن اميس بنفس الإستراتيجية التي تبناها منذ اندلاع الخلاف الأسبوع الماضي حول تصريحاته بشأن المسلمين. وكرر قائلا ان التعليقات الواردة حول الموضوع لم تُكتب –كما اقترح الناقد الأدبي تيري ايغلتون- ولكنها شفوية في مقابلة صحفية. ومنذ ذلك الوقت كتب اكثر من 25,000 كلمة قال انه لا يتراجع عنها. Continue reading »

 Posted by at 4:42 م
يونيو 212007
 

يبدوا ان حلم تنظيم القاعدة في طريقه الى ان يصبح حقيقة. واخيرا وجد له موطئ قدم على الساحة الفلسطينية. فنحن نشهد عملية اختطاف الن جونستون المراسل في هيئة الإذاعة البريطانية والذي مر على اختطافه امس 100 يوم ومعارك حامية بين الجيش اللبناني وجيش فتح الإسلام الموالين لتنظيم القاعدة في مخيم نهر البارد للاجيئن في الشهر الماضي. وفي ظل المزيد من لإنزلاق نحو الفوضى في غزة والضفة الغربية والصراع الحاصي بين حماس وفتح بعد عام من الحصار القاسي فان هذا الوجود الجديد لا يمكنه الا ان يصبح اقوى. Continue reading »

 Posted by at 4:07 م
مايو 312007
 

“هل الإسلام يتعارض مع الديمقراطية؟” كان هذا هو عنوان جلسة نقاش (برعاية نيو ستيتسمان) في مهرجان هاي في عطلة نهاية الإسبوع الماضي. ان هذا السوأل النمطي، الذي ابقى العشرات من الصحفيين والكتاب مشغولين اليوم، هو في الحقيقة نتاج الفهم النمطي لـ “الإسلام” و “الديمقراطية”. Continue reading »

 Posted by at 3:09 م
أبريل 302007
 

“الهوية هي وحدة الجوهر”هذا ما يخبرنا به ارسطو، ويعني بهذا ان الهوية حاصلة ودائمة وغير قابلة للتغيير. وإلى حد كبير، لا يزال هذا التعريف للهوية يحكم الضمير الأوربي. وهذا صحيح منذ القرن السابع عشر مع نهاية الحروب الدينية وبزوغ نظام الدولة الأوربي والعلمنة التدريجية للحكومة ونشوء الرأسمالية. فالى جانب هذا، كان هناك انهيار للأمبراطورية العثمانية والتطورات التكنلوجية الجديدة في مجال النقل البحري والأسلحة والتي مهدت الطريق للتوسع الخارجي والإستعمار والتي كانت تعني ان اوربا الصاعدة قد شرعت في السعي للتاكيد على تفردها ونقائها. فكان السوال التوجيهي في البحث عن الهوية هو: ما الذي تملكه اوربا بينما تفتقده الثقافات والدول الأخرى. ؟ وما هو مصدر تفردها وانتصارها على الأمم الأخرى؟ Continue reading »

 Posted by at 2:49 م