يناير 182011
 

لم يتصور سوى القلة من التونسيين ان الرئيس الذي قمعهم وكبتهم لأكثر من ثلاثة وعشرين عاما يكون بهذا القدر من الهشاشة والضعف. فبمجرد ان وصلت الانتفاضة التي اشتعلت في جميع انحاء البلاد الى العاصمة تونس في غضون اربعة اسابيع فقط وطوقت موجات المحتجيين وزارة الداخلية مقر أعتى اجهزة الشرطة في المنطقة وهم يهتفون “نحن احرار ارحل” تهاوى كنمر من ورق.

فمن طاغية يهدد ويتوعد في الأيام الأولى للتمرد الى رجل مسن شاحب يرتجف ويتوسل في خطاباته المتلفزة ان يسمحوا له بالبقاء في قصر قرطاج لفترة اطول قليلا. فطلب اول مرة ان يسمحوا له بالبقاء ثلاث سنوات ثم مجرد ستة اشهر. وكل مرة يهتف التونسيون في الشوارع مرددين “ولا حتى يوما واحدا”. ففر من البلد مرعوبا في جنح الظلام . ثم تم رفضه من قبل فرنسا التي بقيت متشبثة به حتى اخر لحظة وظلت طائره تجول في الفضاء بلا امل الى ان تم السماح لها ان تحط في مطار جدة.

كانت الظاهرة التي تدعى “بن علي” هي في الواقع خليطا من العنف الداخلي والخداع ودعم خارجي فاضح. فلسنوات ومؤيدوه يمدونه بالسلاح والغطاء السياسي لخنق شعبه. وكان مثال الطالب الجيد لدى صندوق النقد الدولي الضامن لـ “الإستقرار” ومحاربا شجاعا ضد “الإسلام الأصولي” فتونس في عهد بن علي كانت مثالا ساطعا “للتحديث” والنجاح. ومع رحيله اصبح من الصعب الدفاع عن او الترويج لنموذج الإستقرار الذي جاء على حساب الشعب المسحوق.

ان ثورة الشعب التونسي التي طردت بن علي من ارضه لم تتوقف على حدوده فقط با اجتاحت كل ارجاء العالم العربي وتردد صداها في كل مدينة وقرية. كان الإحساس باليأس والذل العميق الذي شعر به العرب مع سقوط نظام الطاغية صدام على يد الولايات المتحدة ينتاقض بشدة مع نشوتهم في الإطاحة بطاغية تونس. فهذه اول مرة تنجح فيها دولة عربية في اجتثاث طاغية لا يرحم بواسطة الإحتجاج الشعبي والعصيان المدني وبدون تدخل اجنبي او انقلاب عسكري او وفاة طبيعية. فإن كان العراق قد قدم للعالم العربي ابشع صورة لتغيير النظام فان تونس قدم افضلها.

ولكن بإطاحتهم بالطاغية فان التونسيين لم يصلوا الا الى منتصف الطريق لتحقيق طموحاتهم في الإصلاح الحقيقي. فالطاغية رحل ولكن الدولة الأمنية العملاقة التي نمت منذ استقلال البلاد من الإحتلال الفرنسي عام 1956 لاتزال حية. فاجهزة القمع التي أسسها الحبيب بورقيبة هذه الشخصية التونسية الجذابة والمسمى بـ “الأب المؤسس” قد تم صقلها من قبل الجنرال الذي ورثها. فتفكيك هذا الوحش ليس بالأمر السهل. وهذا هو التحدي الذي على التونسيين اتمامه لإنهاء ثورتهم.

وبينما كان العرب يحتفلون في الشوارع مرددين كلمات الشاعر ابو القاسم الشابي “اذا الشعب يوما اراد الحياة، فلابد ان يستجيب القدر” كان حكامهم قد ذهلوا بالأخبار التي تقشعر منها الأبدان وهي الإطاحة بطاغية زميل لهم. فهذا هو اسوأ كابوس بالنسبة لهم. ولم يخشوا شئ كخشيتهم ان تنتقل عدوى التونسيين الى شعوبهم، خاصة ان معظمهم ورثوا السلطة من ابائهم او يستعدون لتوريثها لأبنائهم. ولم يقدم اي رئيس على كسر الصمت الشبيه بصمت الموت سوى معمر القذافي رئيس ليبيا الجارة لتونس ليتحدث بالنيابة عن جميع الطغاة ومهددا التونسيين بانهم سيندمون على ما اقدموا على ارتكابه.

ولكن بالرغم من ان تونس بلد صغير ويبلغ عدد سكانه 10 ملايين نسمة وبموارد طبيعية شحيحة الا انه احسن وضعا من معظم الدول العربية ليجتاز العملية الديمقراطية. فشعبه متجانس اجتماعيا ومعظمه يعيش في المدن ومتعلم تعليما جيدا بالمقارنة مع الشعوب الجارة. في اعقاب عهد بن علي انقسم المشهد التونسي الى استراتيجيتين اثنتين. اولهما ينطوي على اعادة تدوير النظام القديم بتعديلات تجميلية قليلة. وهي استراتيجية ما يسمى بـ “حكومة وحدة وطنية” التي اعلن عنها رئيس الوزراء اليوم محمد غنوشي الرجل الذي خدم لسنوات في ظل الديكتاتور المخلوع. وهذه الإستراتيجية تستبعد القوى الحقيقة التي على الأرض والتي تعكس بصدق المشهد السياسي التونسي: الإشتراكيين المستقلين والإسلاميين والليبراليين. ويبدوا ان حكومة الوحدة الوطنية عازمة على ارجاع عقارب الساعة الى الوراء وتتصرف كما لو ان الثورة لم تكن ابدا واعادة تركيب الحزب الحاكم البغيض ، حزب التجمع الدستوري اليمقراطي بنفس شخصياته جميعها – ما عدا بن علي- ونفس الجهاز الأمني. وكان هذا هو سبب اندلاع الإحتجاجات مرة اخرى في العديد من المدن مع تغيير الهتاف من “يسقط بن علي” الى الهتاف بـ “يسقط حزب التجمع الدستوري الديمقراطي”.

والإستراتيجية البديلة- والمهمة التي تواجه الشعب التونسي اليوم- هو بناء تحالف واسع للقوى التي يمكنها ان تفكك ارث دولة ما بعد الإستعمار الديكتاتورية واحداث التغيير الذي تاق اليه الشعب منذ عقود. وكان هذا هو القوة المحركة لإقامة تحالف بين حزب العمال الشيوعي بقيادة حمة الهمامي ومنصف المرزوقي قائد حزب المؤتمر من اجل الجمهورية والذي يتمتع بشعبية واسعة وحزب النهضة بقيادة والدي راشد الغنوشي بالإضافة الى النقابيين ونشطاء المجتمع المدني.

فتجاربهم المشتركة والمريرة بين السجن والمنفى جعلت منهم اكثر واقعية واكثر قدرة على الوقوف بوجه اليكتاتورية وبناء تحالف قوي حول مطلب التغيير الحقيقي. وسياسة الشراكة والإجماع هو ما يحتاج اليه التونسيون والعرب في تفكيك هياكل الإستبداد التي احتجزتهم في قبضتها الحديدية على مدى أجيال.

الغارديان 18 يناير 2011

المقال بالانجليزية

 Posted by at 6:57 م

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)