سبتمبر 262011
 

لولم يقم الجيش بسحب البساط من تحت اقدام مبارك ويقف الى جانب المحتجين في ميدان التحرير لكانت قصة الثورة المصرية تشبه الى حد وثيق تلك التي في سوريا واليمن وحتى في ليبيا.  ولكانت المواجهة المريرة قد كلفت مئات من الأرواح ان لم تكن آلافا ولأخرت الى حد كبير سقوط الرئيس السابق. وكان الهتاف الذي تردد في الميادين المصرية في الأيام الأولى لسقوط مبارك عندما عانق المصريون الجنود هو “الشعب والجيش يد واحدة”.  لم تكن هذه ثورة الشعب فقط بل ثورة الجيش ايضا.  ولكن يبدوا الآن واضحا ان الجيش لا ينظر لنفسه على انه شريكا في الثورة بل كممثل لها والوصي عليها: الحامل الوحيد لشرعيتها.

 

ولم يستمر شهر العسل طويلا بين الجيش والمحتجين.  وتحولت ساحة التحرير، التي كانت مرة مسرحا للإحتفالات الصاخبة، الى ساحة معركة عندما تحرك الجيش لتفريق الناشطين بضربهم بالهراوات والقضبان الكهربائية وحتى اطلاق الذخيرة الحية مما ادى الى سقوط العديد من الضحايا.  وتم زج المئات منهم في السجون.  فبين 28 كانون الثاني و 29 اب تمت محاكمة ما يقارب 12,000 من المدنيين بمحاكمات عسكرية- اكثر بكثير مما نجح مبارك في فعله خلال 30 عاما من حكمه الديكتاتوري.  فلايزال التعذيب من قبل أفراد الشرطة والجيش واسع الإنتشار بالإضافة الى مئات من التقارير عن اعمال الضرب والصعق الكهربائي وحتى الإعتداءات الجنسية.

فبعد ايام من توليه السلطة، راح المجلس الأعلى للقوات المسلحة يتحدث بلهجة صارمة معلنا انه لن يتسامح مع اي اضطرابات اواعتصامات “او اي عمل يخل بامن الدولة” وفرض عقوبات بالسجن على اولئك الذين يتحدون الحظر. وقد ذهب الجيش الى ابعد من ذلك حين فرض الحظر على الإحتجاجات العامة وعلى التجوال.  ويبدوا ان هذا ما قوى عزيمة الناشطيين كما تشهد على ذلك المظاهرات المتكررة التي اقيمت في ميدان التحرير.

وفي الأونة الأخيرة وفي استغلال لأجواء التوتر التي ازدادت باقتحام السفارة الإسرائيلية، اعاد الجيش تفعيل حالة الطوارئ معلنا انها ستبقى نافذة حتى حزيران المقبل- فهرعت المطالب الشعبية بالإنهاء السريع للقوانين الوحشية الني شكلت الدعامات الدستورية لنظام مبارك الديكتاتوري كما كانت بمثابة وسيلتة الرئيسية لخنق المعارضة لثلاث عقود.  ورد طارق البشري، القاضي المحترم الذي ترأس لجنة تنقيح الدستور، باعلانه ان الأحكام العرفية غير نافذة من تاريخ 20 ايلول 2011 كما نصت عليه المادة 59 من الإستفتاء الدستوري في 19 اذار 2011 وذلك في اشارة الى اتساع هوة الخلاف بين السلطة القضائية والجيش.

ان كانت حالة الطوارئ هي النقطة المحورية في تصاعد السخط السياسي فان التعهد بلإنتخابات لهذا الشهر كانت النقطة المحورية الأخرى.  فبدلا من ذلك اعلن المجلس الأعلى مؤخرا ان الإنتخابات ستُجرى في شهر تشرين الثاني من دون اي ضمانات بان الموعد الجديد سيتم الإلتزام به.  ولم تجعل المجموعة المعقدة لقواعد الإنتخابات الأمور افضل بالإضافة الى ان الأحزاب السياسية المطالبة بالتصويت بنيت بشكل حصري على نظام القائمة الحزبية النسبية وسماح الجيش للترشيح الفردي ايضا- الخطوة التي قال عنها النقاد بانها صُممت لتُمكن بقايا النظام البائد من التسلل الى السلطة مرة اخرى.

وتكثفت هذه المخاوف لدى اتساع رقعة دوائر الإنتخابات مما يجعل التصويت ليس بالسهل على المواطنين وعلى المرشحين لتنظيم حملاتهم الإنتخابية في مناطق واسعة مثل “شمال القاهرة” التي يسكنها ليس اقل من 5 ملايين مواطن.

أما الخلفية وراء كل قرارات الجيش هذه في الأشهر الثمانية الماضية فهي مخاوفه ازاء موقعه في النظام السياسي الناشئ.  ويدرك الجنرالات انه لا يمكن العودة  لعام 1952 حيث استولى “الضباط الأحرار” على زمام السلطة وسيطروا على الساحة السياسية لأكثر من عقدين من الزمن.  ولكنهم على ما يبدوا غير راغبين بالعودة الى ثكناتهم قبل يضمنوا لأنفسهم اليد العليا  اولا على الأمور السياسة الداخلية والخارجية.  وما يشغلهم ليس ادارة امور البلاد اليومية بل احكام قبضتهم على امور اساسية: مثل اتخاذ القرارات الإستراتيجية وتوزيع الميزانية وفوق هذا كله ابقاء الجيش نفسه بعيدا عن الرقابة العامة.  وهذا هو السبب وراء تحرك الجيش لوضع “اعلان المبادئ الأساسية” التي تمنحه سلطة واسعة وتمكنه من التدخل في السياسة المدنية.

وفي تصريح فاضح للواء ممدوح شاهين، العضو في المجلس يقول: “نحن نريد نموذجا مشابها لذلك الموجود في تركيا… فمصر كبلد تحتاج الى ان تحمي الديمقراطية من الإسلاميين لاننا نعرف بان اولئك الناس لا يفكرون بشكل ديمقراطي”- وهذا هو نفس التبرير الذي استخدمه الطغاة العرب لإضفاء الشرعية للإستبداد المخيم منذ عقود.  وما يعنيه هذا الضابط الكبير بـ “النموذج التركي” ليس في نسخته الحالية بل النموذج الذي شل الحياة السياسية على نحو قرن كامل تقريبا.

يمكن ان يستقبل تصريحه هذا بالحفاوة في لندن او واشنطن او باريس او تل ابيب او من قبل الحريصين على منع حدوث اي تغيير حقيقي في مصر،  فيبدو ان مصالح الحكام المستبدين (مدنيين او عسكريين) في المنطقة قدر لها ان تلتقي مع مصالح القوى الغربية الكبرى. وتكمن في هذا الزواج غير المقدس بين المعوقين للإصلاح الحقيقي داخليا وخارجيا المحنة المأساوية للديمقراطية والديمقراطيين في الأراضي العربية.

الغاردين ، الأثنين 26 ايلول 2011

المقال بالانجليزية

 Posted by at 2:19 ص

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)