أكتوبر 182007
 

في اخبار القناة الرابعة ليلة امس تمسك مارتن اميس بنفس الإستراتيجية التي تبناها منذ اندلاع الخلاف الأسبوع الماضي حول تصريحاته بشأن المسلمين. وكرر قائلا ان التعليقات الواردة حول الموضوع لم تُكتب –كما اقترح الناقد الأدبي تيري ايغلتون- ولكنها شفوية في مقابلة صحفية. ومنذ ذلك الوقت كتب اكثر من 25,000 كلمة قال انه لا يتراجع عنها.

ولكن هذا هو اسوأ عذر يمكن ان يلفقه، حيث يعني ضمنيا ان ما يمكن ان يكون غير مقبول عندما يُكتب على الورق يصبح مقبولا تماما ومغفورا له بالكلية ان صُرح به لفظيا.

ومع ذلك فان الحوار العفوي هو اكثر قدرة للكشف عن افكار المرء الداخلية واكثر تعبيرا عن مواقفه الداخلية من النصوص المكتوبة. فمباشرتها تترك مجالا اقل للتلاعب باللغة والقدرة على التعامل مع الكلمات والتخفي خلف الأساليب البلاغية والمعاني التمويهية. فوجهات نظر اميس المتمسك بها بعمق تتواجد على الأغلب في زلات لسانه اكثر من ان تتواجد في تقلبات قلمه المدرب بعناية.

المشكلة بالنسبة لاميس انه يواجه بكلماته، تلك الكلمات الصريحة جدا والواضحة بشكل فاضح ذات المعاني المفهومة حتى من قبل الشاب او غير المثقف. ولا تحتاج حقا لإمكانيات تيري ايغلنتون في التفسير والنقد الأدبي كي ترى انها تنضح بالكراهية والتعصب الأعمى. ولأن كلماته عنصرية ومعادية للإسلام بشكل فاضح لدرجة ان حتى قائلها لم يستطع ان يؤيدها بل يسعى للجوء لشكاوى تتعلق بمزاجه وحالته النفسية والسياق الذي قيلت فيه تلك التصريحات.

ولكن هل سنخضع كل تصريح من تصريحاته الى التحليل النفسي ونسأل هل قيلت وهو في حالة هدوء او انفعال او حالة سعادة او إكتئاب؟ وكيف يمكن ان نتأكد من ان تصحيحه للتصريح لم يكن وهو في حالة مماثلة من القلق والتوتر؟ وهل نحن نتعامل مع بالغ مسؤول او مع قاصر لا يؤخذ كلامه محمل الجد؟

وإدراكا منه بعدم قدرته على تبرير مواقفه المكشوفة سعى اميس لتصوير الأمر على انه شجار في صالون ادبي او خلاف في القسم مع زميل اكاديمي “يعتقد انه على الحق”. لقد قيل الكثير عن ماركسية تيري ايغلتون في هذا الصدد كما لو كان هذا شجار حول بعض المذاهب الفكرية او عقيدة فلسفية. وعند قرأءة العديد من الفقرات التي كرسها اميس لمهاجمة شخصية خصمه لوجدنا انها تعطي انطباعا انها لو اقتبست من شخص اخر غير ايغلتون “المعزول” فإن تلك المقاطع موضوع الجدل لن تثير الدهشة ولأعتبرت محترمة جدا.

وربما كانت هناك فرصة افضل لأخد محاولات اميس لإبعاد نفسه عن تصريحاته على محمل الجد لو كانت هذه التصريحات تختلف كثيرا عن ما كان قد بين من رأيه حول موضوع الإسلام والمسلمين من قبل وبعد مقابلته الشائنة هذه. وبالرغم من انه يدعي ان ما يكره ويدين هو “التطرف الإسلامي” فهو ينزلق دائما تقريبا لسب الإسلام والمسلمين ودينهم وثقافتهم. كما انه يتذبذب بين “الإسلام” و “التطرف” وبين “تنظيم القاعدة” و”المسلمين” وبالنهاية يغبش على اي فروق موجودة بين تلك المصطلحات. وقبل بضع ثوان من بداية “تجربته الذهنية” المزعومة عن كيف ينبغي ان يتم التعامل مع المسلمين قال:

“… الشئ الوحيد الذي يحب الإسلاميون من الحداثة هي الأسلحة الحديثة… كما انهم يتفوقون علينا ديمغرافيا بمعدل كبير. فهم يشكلون الآن ربع عدد البشرية وبحلول عام 2025 سيشكلون نسبة الثلث. ويتراجع عدد سكان ايطاليا الى نسبة 1.1 طفل لكل امرأة. وسيتفوقون علينا بعددهم…”

وبالرغم من ان الإنتقادات اللآذعة تبدا ضد “الإسلاميين” ولكن سرعان ما يسقط القناع ويتحول اميس بهجومه على المسلمين. ضمنا اوصراحة تستخدم المصطلحات ذات الإشارات المشتركة في التعبير والسياق. وكل التعابير المظلمة والمخيفة مثل “الرايكالي” و”المتطرف” “الإسلامي” و “الوحشي” تتحول الى كناية للـ “الإسلام” و “المسلمين”.

وماذا نتوقع ايضا من اميس الذي يعتمد في مراجعه على كتابات بول بيرمان وعلى كتابات في اس نيبول؟ يقول سام هاريس في كتابه عصر الخوف وهو الذي يقتبس منه اميس كثيرا:

“لقد آن الأوان ان نعرف- ونجبر المسلمين ان يعرفوا- بان “التطرف الإسلامي” لا يعتبر تطرفا بين المسلمين. وان التيار الرئيسي في الإسلام بحد ذاته يمثل رفضا متطرفا للأمانة الفكرية…وحقيقة الإسلام انه سياسيا غير صحيح بالإضافة الى كونه مخيفا: فالإسلام كله هامشي ولا مركز له.”

وما دون الإسهاب فان أراء اميس لا تختلف عن تلك التي ينادي بها مرشدوه من المحافظين الجدد. فما يقولونه علنا يسعى هو لإخفاءه وراء ستار رقيق لـ “المذاهب”. فكتاباته مثل كتاباتهم تقطر بالضرورة الثقافية والقناعة بتفوق الغرب على الثقافات الأخرى والإيمان الحماسي بعبء الرجل الأبيض. والروح التي تتغلل فيها تنم عن ثنائية حادة من قبيل “نحن وهم” و “الغرب” و “الشرق” والحداثة” و “الإسلام”. فكل ما تحمله الصفحات هو عبارة عن ضوضاء خنادق الحرب المنيعة في مواجهات لا نهاية لها وعالمين مبعدين عن بعضهما البعض ولا نقطة التقاء بينهما سوى ساحة المعركة.

وحتى وهو يسعى لتحويل الثقافات والأمم الى مساحات محاطة بالأسلاك الشائكة فان اميس لا يزال يطلب منا بان نراه نبيا للحوار. ويقول لنا انه يريد ان يبني جسورا مع المسلمين. حسنا فكما يقول العرب ذوي السحنة السمراء والقادمين من الشرق الأوسط والذي يريد لهم ان يفتشوا تفتيشا عاريا وأن يرحلوا: “وإن الحرب أولها كلام” فان كلمات اميس لا علاقة لها بالسلام وكل ما لها من علاقة هي بالحرب. فهو يهدم الجسور ثم يعظ حول بناءها ويقرع طبول الحرب في الصباح ثم يردد ترانيم السلام في الليل.

وفي رده على ايغلتون كتب يقول انه يرغب في ان يتعامل مع “المسلمين المعتدلين”. وانا في حيرة من اين سيجد اولئك المعتدلين وهو يدعوا الى ترحيل المسلمين بشكل جماعي “لاولئك الذين يبدون وكانهم من منطقة الشرق الأوسط او الباكستان.” الا اذا كان يقصد بالمعتدلين الشقر اصحاب العيون الزرقاء- الملامح الغير متواجدة بشكل كافي بين غالبية المسلمين ذوي السحنة السمراء.

في الغرب هناك الكثير ممن يشاركون تنظيم القاعدة نفس المنطق ومارتن اميس هو واحد من اولئك. يقول اميس : “سيبقى المجتمع الإسلامي يعاني حتى يقوم بترتيب بيته.” وقال بن لادن على دافعي الضرائب الأمريكان والبريطانيين أن يدفعوا الثمن حتى يغير بوش وبلير سياسيتيهما في فلسطين والعراق وافغانستان. فكلاهما يؤمن بالعقاب الجماعي واخذ البرئ بجريرة المذنب.

وعندما سُئل من قبل جون سنو عما اذا كان يدافع عن تعليقاته الخاصة بملاحقة المجتمع الإسلامي كله، اجاب قائلا بان هذه السياسة ستأتي “بنتائج عكسية” لا أنها تستحق الشجب اخلاقيا اوانها جائرة بل فقط لانها ستأتي بنتائج عكسية…

فياله من عالم رهيب وجهنمي سيكون عليه عالمنا اذا ترك لاولئك المبشرين بصراع الحضارات والعقاب الجماعي وهوة وحشية من التحيز والكراهية والتمييز العنصري وحروب مشتعلة تحت اسم اله الحرب او اله الحرية.

 

الغارديان 18 أكتوبر 2007

المقال بالانجليزية

 Posted by at 4:42 م

Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/soumayag/public_html/ar/wp-includes/class-wp-comment-query.php on line 399

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)