ديسمبر 182007
 

يبدو انه قد قدر على النساء المسلمات- وخاصة اولئك اللواتي يعيشن في العواصم الغربية- ان يبقين محاصرات بخطابين مدمرين وان كانا يختلفان بالشكل الا انهما متشابهتان بالجوهر.

اولهما هو خطاب المحافظة و الإنغلاق والذي يحكم على النساء المسلمات بحياة من انجاب الأطفال وتنشئتهم تعاش في حدود بيوتهم الضيقة وتحت رحمة الآباء والأخوة والأزواج. وهو يدور حول مفاهيم تتعلق بالنقاء الجنسي وشرف العائلة ويلجأ الى الدين لتبريره واضفاء الشرعية عليه.

و الأخر هو خطاب “التحرر” الذي يتعهد بكسر قيود المرأة المسلمة وتحريرها من الذل القمعي لمجتمع عدواني ذو سلطة ابوية متخلف. فهي عبارة عن كتلة من العجز والإستعباد وتجسيدا للعزلة والصمت والخفاء. املها الوحيد في الخلاص من كهف الحجاب والعزلة يكمن في تدخل الخيرين من هذه القوة التحررية. فستنقذها من وجودها البائس الكئيب الجهنمي الى الجنة الموعودة من التنوير والتقدم.

فهي لعبة الثنائيات التي تتصارع فيها الصورة النمطية لإحداهما ضد الأخرى: صورة المرأة المسلمة الضحية في القفص البائس وسجانها القاسي هو مجتمعها مقابل صورة مثالية “للغرب” وهو مثال التنوير والعقلانية والحرية. فالهاربات اللاتي يتركن القطيع يمثلن شهادات حية للتحول الشاق من غسق القبيلة والدين والتقاليد الى فجر العقل والفردية والتحرر.

ليس هناك من ينكر الظلم المتشعب الذي يشل حياة العديد من النساء المسلمات ويعوق قدراتهن. ولكن تبدوا هذه في رواية التحرر المتعالية كممثل لحالة الملايين من النساء المسلمات في جميع انحاء العالم وحصرا عليهن. فليس هناك الوان او نغمات او ظلال هنا. وليس هناك معيشة حقيقية للنساء لا متحضرات ولا قرويات ولا متعلمات ولا غير متعلمات لا غنيات ولا فقيرات لا تركيات ولا ماليزيات ولا مصريات- الإختلافات التي هي جوهرية جدا في تحديد فرص حياة النساء وتشكيل اوضاعهن.

فكل ما نعرف عن هذا الكائن الشبحي هو هويتها الإسلامية كما لو شُكلت تماما وتأثرت بالدين واللاهوت بغض النظر عن الخلفية الإجتماعية والظروف الإقتصادية الواقع السياسي والتقاليد الثقافية المحلية والإقليمية. فعلى اهميته فان الإصلاح القانوني واللاهوتي لا يقدر على تحسين نصيب النساء الفقيرات او غير المتعلمات او غير الآمنات في الصومال او العراق او المناطق الريفية في بنغلادش.

الرواية تدور حول “المرأة المسلمة” شاملة منفصلة عن التاريخ؛ نموذجا ساحقا يضطهد دم ولحم النساء المسلمات وينكر عليهن ذاتيتهن وفرديتهن ويدعي انه يلخص حياتهن من المهد الى اللحد بكل تقلباتها وتفاصيلها. ويحتفظ لنفسه حصريا بحق التعبير عنهن سواء أحببن ذلك ام لم يُحببن.

فالشكل الذي تصور به المرأة المسلمة يخدم وظيفة مزدوجة لإضفاء الشرعية فمباشرة يؤكد ويبرر الرواية الغربية عن نفسه وعن المسلمين الأغيار. فالمرأة المسلمة الضحية هي عبارة عن عدسات ينظر من خلالها للإسلام والمجتمع المسلم. ففي العصور الوسطى كان يُنظر اليها على انها الملكة ذات القوة المخيفة او المرأة السليطة (مثل براميموند في الملحمة الفرنسية تشانسون دي رولاند او بيلسان في برزيفل) عاكسة بذلك الحضارة الإسلامية ذات القوة المخيفة. وعنما بدأ ميزان القوى في التحول لصالح اوربا في القرن السابع عشر والثامن عشر الميلادي اصبحت المرأة المسلمة تعكس حظوظ مجتمعها المتراجعة. فتحولت الى رقيق من الحريم لا تعيش أحسن من كائن حيواني ابكم ومقهورة وخاملة و بائسة وعاجزة وغير مرئية. فهي تجسيد مثالي لإسلام رجعي مشوه ومستبد.

فينبغي على اوربا ومن بعدها الغرب التسلل الى قفصها الحديدي وكسر قيودها. كما ينبغي عليهم ان ينقذوا الضحية ويمدنوا ظالميها. فكلما ازداد ظلم “المرأة المسلمة” كلما ازدادت الحاجة للغرب المتحرر لتحريرها. فالتدخل النبيل هو من اجل المرأة المسلمة ومصلحتها وليس من اجل الغرب ومصالحهم.

فلم يكن من قبيل الصدفة ان عددا كبيرا من ضباط الاستعمار وامناء الأرشيف سجلوا باخلاص حالات بربرية كانت تُمارس بين الشعوب المستعمرة ومن هذه الممارسات مثل الساتي( تقليد هندوسي حيث تضحى المرأة بنفسها في محرقة جنازة زوجها) وحظر زواج الأرامل او زواج الأطفال في الهند او الرق او تشويه الأعضاء التناسلية في افريقيا. وبالرغم من ان هذه الأعمال الوحشية ليست محض اختراعهم الا ان توثيقها كان له هدفا ولايزال : انه يمنح الإطار
الأخلاقي لتدخلهم.

وكما يقول الشاعر توركواتو تاسو في بيت الشعر:

وعندما فُقدت مدينتها ودولتها حينذاك احبت وكرمت ذاتها.

لكن “الحب” و “التكريم” لم يتواجدا في تجربة النساء العراقيات عندما سقطت مدنهم تحت الإحتلال الأمريكي. فالحقوق التي اخذت عقودا لضمانها تهدمت في غضون شهور. فتوجدت الطبيبات والعالمات والمهندسات وسيدات الأعمال انفسهن حبيسات بيوتهن غير قادرات على الخروج الى اي مكان خوفا من ان يختطفن او يغتصبن او يغتيلن. فاللواتي ينجون من قنابل ورصاص جيش الإحتلال يمُتن على ايدي قوات الأمن العراقية والميليشات المذهبية والمتطرفة الخارجة عن السيطرة والتي ازدهرت منذ 2003 كما بينت ماغي اوكاين في مقالها المؤثر امس على سي اي اف(حرية التعليق). في الشهور الثلاثة الماضية قتلت 45 امرأة بريئة بدم بارد في البصرة.

والحقيقة انه كما أن هناك الة عسكرية للهيمنة فهناك الة خطابية للهيمنة. فعندما تتحرك الجيوش على الأرض للإحتلال والإخضاع تحتاج الى غطاء ايديولوجي واخلاقي . وهذا هو ما يمنح الرواية السائدة عن “المرأة المسلمة” سببا لوجودها.

ليس غريبا اذن ان يكون المحاربين من اجل تحرير “المرأة المسلمة” امثال نيك كوهين وكريستوفر هيتشنز وباسكال بروكنر هم نفس الأشخاص الذين هللوا للقوات الأمريكية والبريطانية عندما فجرت طريقها خلال بغداد وكابل وهم الذين بلا شك سيهللون ويرقصون مرة اخرى اذا قُصفت ايران اوسوريا في المرة القادمة. فالجنود يُطلقون النار بأسلحتهم؛ بينما يطلقونها هم بأقلامهم. فهم المدافعون عن مبدأ الهيمنة ومن دونهم يقف الأمبراطور عاريا.

 

الغارديان 18 ديسمبر 2007

المقال بالانجليزية

 

 Posted by at 4:51 م

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)