يوليو 252008
 

واحدة من اكثر الإنتقادات الموجهة للإسلام شيوعا هو انه لا يقيم فروقا بين العلماني والمقدس. وغالبا ما يُنتقد المسلمون بالقول “يجب عدم الخلط بين الدين والدولة، وما عليك سوى القاء نظرة إلى المنطقة العربية وسلالتها البائسة من الطغاة المتلاعبين بالدين لترى صحة هذه المقولة”.

لذلك عنما تسمع ان هيزل بليرز تقوم بعمل لجنة على المقاس من علماء الدين الإسلاميين، كنوع من الكنيسة للمسلمين تصبح المفارقة مثيرة لدرجة يصعب التعبير عنها بالكلمات. ويبوا ان هذا المقترح الغريب قد بُني على الجدل الخاطئ ان العقيدة الإسلامية هو السبب الجذري وراء مشكلة الإرهاب في بريطانيا. ويكفي معالجته من خلال مركز ديني مصطنع لإزالة المشكلة. وبمعنى اخر انه يمكن التخلص من الفوضى التي اوجدها بلير وبراون في السياسة عن طريق الدين.

فعلى ما يبدو ان عطش الحكومة للسيطرة لا ينتهي. فكل مظهر من مظاهر حياتنا اصبحت تخضع لرقابتها. وان كنت مسلما فهذا سيطال معتقدك ايضا. فالحكومة ستفكر عنك وتفسر دينك لك من خلال مجلس الكاردينالات. فسيراقب هذا العملاق الأمني المجنون ضميرك ويحكم على معتقداتك وممارساتك الدينية. فالأمور الدنيوية والأخروية ستخضع لسيطرته. وان اعترضت فسكون الثمن باهظا: فستُشجب على انك زنديق- او “متطرف” في مفردات الحكومة- وتنفى من طائفة المؤمنين المعتدلين الجيدين.

والسوأل الذي ينبغي طرحه هو: عندما يهدأ كل هذا الضجيج فما الذي ستحققه هذا المبارة؟ والجواب هو الشئ اليسير. فمن المحتمل ان تكون لجنة علماء الدين التابعة لبليرز ستحقق نتائج ليست بافضل من لجنة العمل الإسلامي التي صنعتها روث كيلي او المجلس الصوفي او اي هئية من الهيئات الورقية التي اوجدتها الحكومة. فالإرهابيون او من سيكون ارهابيا لن يطلبوا الفتوى من العلماء التابعيين للحكومة ومن غير المحتمل ان يلقي المسلمون العاديون بالا لهولاء العلماء. فقد يفيد بليرز، التي تحشر انفها في كل الأمور المتعلقة بالإسلام ، ان تعلم هذه الحكمة الإسلامية القديمة: “إذا رأيت العالم على باب الحاكم فقل بئس العالم واحذره.”

فقد لا يكون للإسلام مؤسسة كالمؤسسة الكنسية التي تحتكر التفسير الديني ولكنه يضع متطلبات صارمة لمن ارا ان يكتسب لقب “العالم”. وفي طليعة هذه المتطلبات ان يكون مستقلا وبعيدا عن السلطات الحاكمة واجندتها. فالعالم هو صوت وضمير المؤمنيين وليس الحكام او الوزراء.

من الأفضل لبليرز ان تتأمل في مصير وزراء الشؤون الدينية ومجالس الفتاوى الحكومية والمفتون في العالم الإسلامي. ففي نظر المسلمون هم جزء لا يتجزأ من اجهزة الدولة لذلك هم مجردون من اي سلطة اخلاقية او شرعية دينية. فائمتهم ومفتيهم هم مسؤولي دولة ولكن بزي ديني. فهم يتسلمون رواتبهم من الحكومة كما يتسلمون خطبهم وفتاويهم. وبإختصار هذه هي أزمة المؤسسة الدينية الإسلامية.

ان الإرهاب من نواحي عدة هونتيجة هذا الواقع. فمع تأكل المؤسسات التعليمية التقليدية الناتجة عن عملية التحديث وظهور العالم الحكومي، اصبحت الجماعات المتشددة المصدر الخاص بهم في التفسير. فهم يبحثون في النصوص المقدسة على ما يبررمواقفهم السياسية. فان تمت مواجهتهم فلن يكون من قبل الشخصيات التي اختارتها الحكومة او التي دعمتها ولا عن طريق المجالس واللجان. بل يمكن فقط لنموذج العالم المستقل والنزيه والحاذق ان يتحداهم.

يبدوا ان وزيرة الأقليات تتبع سياسة متشددة اكثر فأكثر تجاه الأقلية المسلمة. فقبل ايام قليلة تحدثت بحديث مستفز وغريب نوعا يليق بالجهة التي قدمته وهي مركز الأبحاث الفكري اليميني بولسي اكستشينج (التبادل السياسي) والذي فقد مصداقيته العام الماضي من قبل برنامج نيوزنايت على البي بي سي بسبب تقريره المفبرك عن المساجد. واعلنت بليرز عن لائحة طويلة من الشروط التي يجب ان تتوفر في المنظمات الإسلامية ان ارادت ان يُعترف بها من قبل الحكومة او تمنحها “الشرعية”.

فكان من الصعب التمييز فيما اذا كان المتحدث هو وزيرة الأقليات او وزير الخارجية عند سماع طلب بليرز ان يتم الإعتراف باسرائيل واذا ما كان اولئك الذين تتحدث اليهم هم هيئات دبلوماسية ووزراء خارجية ام مواطنون بريطانيون واقليات. وعندما رددت انتقادات الرئيس السابق لبوليسي اكستشينج، تشارلز مور، للإسلام اكسبو المنعقد قريبا في معرض أولمبيا بسبب تخصيص مساحة ارضية لحكومة “الإبادة الجماعية” ايران- وهي واحدة من 15 دولة اسلامية ممثلة في هذه النشاط- فلا يسعنا الا ان نتساءل فيما اذا كانت حكومتها قد قطعت للتو الروابط الدبلوماسية مع طهران واغلقت سفارتها في لندن.

يبدوا ان حكومة براون كمثل سابقتها غير قادرة على التخلي عن نهجها القديم في التعامل مع الأقليات والمبنية عل الأساليب والأنظمة في عصر الإستعمار. وهو ان تتم ادارة الأقليات بالكثير من العصى والقليل من الجزر وحفنة من الممثلين السياسيين والدينين المصنعين. هذه هي النسخ الحديثة للممثلين المحليين الذين اعتمدت عليهم الإدارات الإستعمارية في السيطرة على السكان الأصليين للبلاد المستعمرة. القاعدة بسيطة؛ فلكي تحصل على الإعتراف ينبغي عليك ان تتخلى عن اي استقلالية لك. كما ينبغي عليك ان تتحول لتكون عينا وأذنا ويدا للحكومة وسط مجتمعك ولا شئ اكثر من ذلك.

الغارديان 25 يوليو 2008
المقال بالانجليزية

 Posted by at 6:49 م

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)