نوفمبر 272007
 

لو صدقنا الرئيس الفلسطيني محمود عباس فان مؤتمر انابوليس للسلام “سيكون بمثابة فرصة تاريخية لفتح صفحة جديدة في ناريخ الشرق الأوسط على اساس قيام دولتنا الفلسطينية المستقلة.” ولكن يبدو ان هذا تفاؤل غير مبرر. فبغض النظر عن ان هناك اهتمام اكثر لتهيئة الأجواء لحرب قريبة على ايران من حل النزاع بين الفلسطينين والإسرائيلين فان المؤتمر يخضع لمجموعة من القيود التي تؤدي الى خفض سقفه وتقليص امكانياته.

اولى هذه هي في رسالة بوش الى رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون في 14 نيسان 2004 والتي تمت المصادقة على ما جاء فيها من قبل مجلسي الكونغرس الأمريكي. وتقدم الوثيقة الدعم الأمريكي الكامل لمواقف اسرائيل بشأن اللاجئين- الذين سيتم اسكانهم خارج حدود اسرائيل في انتهاك لقرار الأمم المتحدة رقم 194 والذي يطالب بعودتهم فورا الى ديارهم- والمستعمرات غير الشرعية حيث تنص على انه “في ضوء الحقائق الجديدة على الأرض بضمنها مراكز الإسكان الإسرائيلية الرئيسية القائمة بالفعل فانه من غير المعقول ان نتوقع ان تكون نتيجة مفاوضات الوضع النهائي ستكون العودة الكاملة والتامة الى خطوط الهدنة لعام 1949”. بمعنى اخر ان على الفلسطينين ان يقبلوا بالمصادرات الإسرائيلية كأمر واقع.

والثاني هو مطالبة العرب ان يعترفوا بيهودية الدولة الإسرائيلية. وهذا من شأنه ان يمحو وجود اكثر من اربعة ملايين لاجئ فلسطيني فعليا. وهذا بدوره يعني اضفاء الشرعية على الطرد القسري لمئات الألاف من الفلسطينين على يد العصابات والمليشيات الصهيونية في الفترة التي سبقت قيام دولة اسرائيل وبعدها واحتمالية التطهير العرقي لـما تبقى منهم والبالغ عددهم 1.5 مليون فلسطيني داخل اسرائيل.

هذا هو فحوى ما جاء به تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي مؤخرا “ينبغي ان يكون واضحا للجميع ان دولة اسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي”، وان ” وعلى الدولة الفلسطينية المقبلة ان تجد حلا للفلسطينين في جميع ارجاء العالم- بضمنهم عرب اسرائيل- في نضالهم من اجل التعبير الوطني. ان ياتي هذا التصريح من احد كبار المسؤلين في الحكومة الإسرائيلية فهو مؤشر للتوجه نحو سياسة النقل التي ايدها العديد داخل الطبقة السياسية الإسرائيلية.

وردا على كلام ليفني اعلن احمد الطيبي، عضو الكنيست العربي قائلا: “ان الوزيرة تعد العدة لطرد المواطنين العرب من اسرائيل… العرب كانوا هنا قبل ليفني وسيبقون هنا بعدها”. كما رد محمد بركة العضو العربي الأخر في الكنيست قائلا: “ان العرب الفلسطينين الموجودين في اسرائيل يعيشون في وطنهم. لم يهاجروا اليها بل الذي هاجر اليها هي دولة اسرائيل.”

لذلك سيقال الشئ اليسير بخصوص القضايا الجوهرية التي في قلب النزاع :اي فيما يخص الإحتلال والمستعمرات والجدار العازل واوضاع اللاجئين والقدس. وبدلا عن ذلك سنسمع الكثير عن قدوم “مشروع الدولة الفلسطينية القابلة للحياة”وهو مفهوم عديم الشكل والهوية وغير متبلور وضع من اجل تحويل الإنتباه عما يجري من قضايا حقيقية على ارض الواقع. وتعتبر هذه احدى اكبر المغالطات في التاريخ؛ “دولة” تأسست دون حدود واضحة او ارض متماسكة ولا حرية حركة ولا ممارسة السيطرة على الحدود والمياه اوالأجواء او الإتصالات ولا وجود اقتصادي ولا عسكري ولا حتى لها الحق في اقامة تحالفات دون موافقة اسرائيل.

ان هذه “الدولة” المكونة من عدد قليل من الكانتونات المتناثرة والمحاطة بالإسرائيلين من كل الجهات ابتُكرت لتحقق مهمة حاسمة: الا وهي تنظيم حركة المواطنين الأصلين داخليا- مثل ما كانت تفعل الإدارات الإستعمارية القديمة. وما تصبو اليه في نهاية المطاف هو مجموعة من الأجهزة الأمنية توضع للتخفيف من العبء الفلسطيني على الألية العسكرية الإسرائيلية. فلطالما تمنى اسحاق رابين ان يستيقظ في الصباح ليجد غزة وقد غرقت في البحر فكانت اتفاقية اوسلو فرصته لتحقيق ذلك.

ولايزال الفلسطينيون يطاردون هذا الشبح ، هذا السراب اللامنتهي منذ مؤمر مدريد قبل 16 عاما وجميعها دون جدوى. ولايزال يتناقص هذا الكيان الضبابي كل ساعة. وكل ما تبقى للفلسطينين اليوم هو اقل من %12 من فلسطين التاريخية و%10 فقط من الأراضي التي احتلت عام 1967 و %30 من الأراضي الصالحة للزراعة التي ضمت لوادي الأردن كحدود مع الأردن و %9.5 من اراضي الضفة الغربية صودرت لبناء الجدار العازل ومناطق عسكرية عازلة حول المستوطنات الإسرائيلية ومناطق محميات محظورة ونقاط تفتيش امنية وجميع الطرق المخصصة للإسرائيليين. ففلسطين قد ذهبت وكل ما تبقى هو “الدولة الفلسطينية القابلة للحياة”.

آن الأوان كي يتحرر الفلسطينيون من هذا الواقع المشوه الذي ورطوا انفسهم فيه حيث تحول السجين الى سجان في السجن الإسرائيلي الكبير. فالحقيقة ان الجميع مسجونون في سجن مفاتيحه بيد الإسرائيلي. ينبغي عليهم ان يستعيدوا وحدتهم ويرفضوا هذه الحالة المريضة من الأنقسام وتشويه الذات واعادة بناء الجسور بين قطاع غزة والضفة الغربية على اساس مشترك في مواجهة الإحتلال وتفكيك المستوطنات وازالة جدار الفصل العنصري وعودة المشردين الى ديارهم من خلال حركة الإحتجاج المدنية وتعبئة الراي العام العالمي لصالحهم.

لقد حان الوقت ان يتخلصوا من الوهم الإنتحاري في اقامة الدولة. فلو نظر الجزائريون او الفيتناميون او اي امة احتُلت اراضيها عبر التاريخ الى واقعهم من خلال منظور “الدولة القابلة للحياة” لما تمكنوا من استعادة الأرض والسيادة وما تمكنوا من إقامة الدولة. فتحرير الأرض والسيادة هما الطريق المؤدي للدولة وليس العكس.

 

الغارديان 27 نوفمبر 2007

المقال بالانجليزية

 

 Posted by at 4:47 م

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)