يناير 232008
 

لقد انفجرت غزة فبعد شهور من الحصار الساحق سار الآلاف نحو معبر رفح متحدين رصاص الشرطة وهراواتهم وكلابهم وخراطيم المياه ومزقوا الأسوار التي كانوا محبوسين خلفها لأشهر فعبروا الى مصر خارج هاوية غزة.

ان غزة هي سجن كبير. فالجدار والأسوار الكهربائية وابراج المراقبة التي يشرف عليها المئات من الجنود المسلحين مما يجعل من عملية الهرب امرا مستحيلا. فإدعاءات اسرائيل الكثيرة بالإنسحاب هي مغالطة. فغزة لاتزال محتلة الى حد بعيد. فحتى قبل ان تنتخب حماس للسلطة فان الحكومة الإسرائيلية لا تحظر الدخول من القطاع الى اسرائيل بقوة وحسب بل تسيطر ايضا على المعبر المؤدي الى الحدود مع مصر وترفض السماح للفلسطينين بفتح المطار او الميناء.

فقبل شهرين تم عقد مؤتمر قمة انابوليس في الولايات المتحدة “لدفع عملية السلام” و “وضع اساس لإقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية”. وقبل اسبوع قام الرئيس بوش بجولة في المنطقة من القدس والى الرياض وشرم الشيخ محملا بالإبتسامات والوعود بالسلام والإزدهار وتعهد بـ “المثابرة في العمل”.

ولكن بالنسبة للفلسطينين فان الحياة اصبحت لاتحتمل منذ ان قرر بوش “التدخل”. فمنذ قمة انابوليس وحصيلة القتلى الفلسطينيين الذين قتلوا من قبل الإسرائيلين ارتفعت بنسبة 100%. ففي العام الماضي كانت نسبة القتلى الفلسطينيين الى الإسرائيلين الأقل توازنا من اي وقت مضى حيث ارتفعت النسبة الى 1:40 بعد ما كانت 1:30 في عام 2006 ونسبة 1:4 من العام 2000 وحتى عام 2005. فأجمالي عدد القتلى لعام 2007 يبلغ 322 فلسطيني الى ثمانية من الإسرائيلين. ومن الثمانية خمس منهم كانوا قد قُتلوا اثناء قيامهم ببعمليات عسكرية داخل الضفة الغربية وقطاع غزة. والذريعة خلف هذا العدد غير المتناهي للقتل هو بسبب صواريخ القسام. ولكن الحقيقة هي ان التوغلات اليومية والأغتيالات والحصار الذي تمت مباشرته دون اخفاق من قبل صواريخ القسام وبعده. فالذرائع تتغيير طوال الوقت ولكن حقيقة الإحتلال تبقى هي ذاتها.

لقد اغلقت اسرائيل كل معابرها مع غزة منذ الأنتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006 وبدعم كامل من حكومة واشنطن. كما فرضت ضغوطا هائلة على المصرين لاغلاق معبر رفح معرقلة بذلك النقطة الوحيدة للعبور من القطاع المحاصر الى العالم الخارجي.

فغزة هي تحت رحمة اسرائيل. وتعتمد غزة تقريبا بالكامل عليها فيما يخص الكهرباء والوقود نتيجة 38 عاما من السيطرة الإسرائيلية المباشرة على القطاع. كما تزايد هذا الإعتماد منذ حزيران عام 2006 حينما قصفت اسرائيل محطة الطاقة الوحيدة في غزة.وقد اضطرت المحطة للإغلاق يوم الأحد عندما منعت اسرائيل وصول شحنات الوقود الى قطاع غزة. وبالتاكيد فانعدام وجود الكهرباء لا يعني ليال مظلمة على ضوء الشموع فحسب بل يعني انعدام التدفئة في شتاء غزة البارد والأهم من هذا كله هو انعدام الماء، فبدون وقود للضخ والمعالجة وتوصيل هذا السائل الحيوي للمنازل والمدارس والمراكز الطبية والمستشفيات.

من الصعب تخيل حجم المعاناة لسكان غزة. فمنذ شهور تخيم سحابة رهيبة من الرائحة الكريهة على القطاع الساحلي الصغير. نظام الصرف الصحي في حالة شلل. ومياه الصرف الصحي تفيض الى الشوارع والبيوت والميادين، ومن اجل توفير الوقود اوقفت المدينة جمع النفايات والتي تبلغ 400 طن متري يوميا.

وكان الحصار سبب في تحول 85% من سكان غزة البالغ عددهم 1.5 مليون نسمة للإعتماد الكلي على المعونة الغذائية وهو اعلى معدل من اي مكان في العالم. فأضطرت أكثر من %95 من الشركات والمصانع البالغ عددها 3,500 الى اغلاق ابوابها متسببة بخسارة اكثر من 65,000 وظيفة. فاغلاق الحدود بالنسبة لسكان غزة يعني الموت جوعا.

واُصيب النظام الصحي بشلل مع الإنخفاض المتسارع للإمدادات الطبية نتيجة لحجب المساعدات الدولية. ونفذت المستشفيات من الأموال ونضب 107 أنواع من الأدوية الأساسية و تم توقيف 136 نوعا من اللوازم مثل الحقن وضمادات الجروح على الحدود كما ان الإذن المعطى لعدد من المرضى المغادرين من اجل تلقي العلاج قد خفض تقريبا الى توقفه التام مما اى الى وفاة العشرات.

في ظل هذه المأساة الجارية تحولت الحدود والمعابر الى ادوات للعقاب الجماعي ووسيلة اسرائيل لسحق الفلسطينين وإجبارهم على الركوع.

تدخل امس زالماي خليل زاد مبعوث الولايات المتحدة للأمم المتحدة لإيقاف مشروع قرار يدين الحصار الإسرائيلي غير الأخلاقي وغير الإنساني على غزة. وهذا ليس مستغربا، فما يقارب نصف الحالات التي تم فيها استخدام الفيتو منذ انشاء الأمم المتحدة كانت صادرة عن الولايات المتحدة لصالح اسرائيل. وهذا يعني منح اسرائيل الحصانة لتفعل ما تشاء بغض النظر عما يظنه المجتمع الدولي.

منذ احداث 11 سبتمبر والعديد من الأمريكين في صراع مع السوأل التالي”لماذا يكرهوننا؟” كما أن أموالا طائلة كانت ولاتزال تُضخ لإستراتيجية بلوماسية عامة تهدف الى تحسين صورة اميركا في العالم. ولكن الحقيقة هي انه مجردة لمحة بسيطة لما يجري في غزة اليوم وما حدث في جنين ورفح وبيت حانون من قبل كافية لهدم عمل سنوات من برامج التبادل وجولات الخطابة وحملات العلاقات العامة. فليس هناك اي قدر من المال او الدعاية او الدبلوماسية يمكن ان تمحو مشاهد الدم والدمار والتجويع. فهذه هي الحقيقة التي يحاول المدافعين المأجورين في الولايات المتحدة وعبر الأطلسي جاهدين في اخفائها عن ناظرينا. فليحاولوا قدر ما يشأءون فان الناس في المنطقة هناك سيرون اميركا لا كما تتمنى ان يروها ولكن كما خبروها بشكل مباشر: محتلة او شريكة للمحتل.

 

الغارديان 23 يناير 2008

المقال بالانجليزية

 Posted by at 6:36 م

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)