مايو 072008
 

ان الجناح اليميني في صعود في اوربا. فبعد النجاح المدوي الذي حققه ساركوزي في الإنتخابات الرئاسية الفرنسية العام الماضي وعودة برلسكوني مؤخرا الى السلطة في ايطاليا، احتفل المحافظون بريطانيا باكبر فوز انتخابي لهم لسنوات فيما يراه معظمهم بداية طريق العودة للسلطة.

فالحكومات تسقط الواحدة تلو الأخرى بايدي اليمين ففي النمسا والسويد والدنمارك كما في المانيا وبولندا وجمهورية التشيك. ان موجة اكتساح اليمين للقارة شهدت ايضا ليس فقط كسب اليمين المتطرف للمزيد من المؤيدين والمتعاطفين على اطرافه بل تغلغل الى التيار الرئيسي نفسه.

ففي كانون الأول العام الماضي سجل حزب الشعب السويسري الميني المتطرف في سويسرا افضل اداء انتخابي من اي حزب اخر في البلاد لما يقارب القرن تقريبا بعد حملة استهدفت المهاجرين وملصقا يظهر فيه شاة سوداء تطردها شياه بيضاء تحت شعار “الأمن الآن”. واجتاح برلسكوني الشهر الماضي السلطة بمساعدة التحالف الوطني للفاشيين الجدد ورابطة الشمال المعادية للأجانب بينما تم انتخاب واحد من حلفائه الرئيسين وهو جياني اليمانو اليميني المتطرف كمحافظ لبلدية روما.

وفي لندن نجح بوريس جونسون، المرشح عن حزب المحافظين الشعوبي المعارض للإنضمام للإتحاد الأوربي، في التغلب على كين لفينغستون بينما فاز الحزب الوطني البريطاني اليميني المتطرف بأول مقعد له في مجلس لندن. ومن الجدير بالذكر ان الحزب الوطني البريطاني كان قد وجه مؤيديه في الفترة التي سبقت الإنتخابات كي يمنحوا اصواتهم لجونسون كأختيار ثاني.

وقد حصلت قائمة حزب المحافظين على نسبة 34.05% في مجلس لندن بينما حصل الأحزاب التالية مجتمعة على 10% من الأصوات (الحزب الوطني البريطاني على (5.33%) وحزب صوت المسيحي على (2.86%) وحزب الإستقلال على (1.90%)). وبالنظر الى ان جونسون قد تفوق على ليفنغستون بمجرد %5.5 فقد يكون من المنطقي ان نلخص القول بان اليمين المتطرف قد لعب دورا حاسما في فوزه.

ولكن الإنجازات الكبرى التي حققها اليمين المتطرف لم تكن من خلال المنافسات الإنتخابية المباشرة. فاهم انجازاته تحققت بهدوء وخفية وقد أكتسبت في ساحة المعركة الخطابية وبشعاراته ومتطلباته التي تغلغلت بشكل تدريجي الى الخطاب السياسي السائد. فمن الحديث عن الهجرة واللجوء الى الهوية الوطنية والإعتزاز بالهوية انتقل خطاب اليمين المتطرف الى مركز الصدارة في الساحة السياسية. ففي الفترة التي سبقت الإنتخابات الفرنسية العام الماضي نجح ساركوزي في زعزعة القاعدة الإنتخابية لزعيم حزب الجبهة الوطنية العنصري جان ماري لوبان من خلال تبنيه للكثير من مجموعته الفكرية مما دفع بلوبان ان يشكوى ان ساركوزي قد “سرق” الكثير من افكاره.

فهنا في بريطانيا كان على حزب المحافظين ، الذي تعذب كثيرا من انبعاث حزب العمال خلال تسعينيات القرن الماضي والحريص على ازالة وصمة “القبح” التي لحقت به، ان يُدخل بعض التعديلات على خطابه واسلوبه القيادي. واضطر لين دانكان-سميث ان يعترف معتذارا عندما قال: “نحن نعترف بوجود شئ اسمه المجتمع” في محاولة لإبعاد حزبه بعيدا عن التركة المدمرة التي خلفتها رئيسة الوزراء السابقة ثاتشر ولإعادة تصنيف حزب المحافظين كـ “حزب للمجتمع والضعفاء”. وعندما تمت هزيمة الحزب مرة اخرى في الإنتخابات العامة عام 2005 بعد حملتة الضارية ضد الهجرة وضدالإنضمام للإتحاد الأوربي، تخلى عن زعيمه الشيخ الكبير واستبدله بزعيم شاب وانيق هو ديفيد كامرون. وشرع الأخير في اعادة ترتيب اولويات الحزب محولا الأنظار من الهجرة واللجوء والإتحاد الأوربي الى الإرهاب والتعددية الثقافية والأمن.

واليوم ومع تصاعد اليمين المتطرف وهبوط جناح اليسار فان الضغط على حزب المحافظين، باعتباره حزبا كبقية الأحزاب الأوربية ذات الفكر اليميني الوسط، لم يعد يأتي من جناح اليسار كما كان الأمر في العقد الأخير ولكن يأتي من جناح اليمين. لذلك فانه من المحتمل ان يسير الحزب على خطى اشقائه من الأحزاب الأخرى في جميع انحاء اوربا في السير اكثر نحو اليمين- بينما يبقى وفيا للوصفة البليرية السحرية المتمثلة في الإسلوب غير الرسمي والمظهر الشاب والساحر والعبارات المنمقة.

كان اليمين هو المستفيد الأكبر من مناخ الخوف الذي عم ارجاء اوروبا اليوم بظلاله ونغماته المختلفة: كالخوف من الإرهاب والخوف من الإسلام ومن الهجرة والأجانب والخوف مؤخرا كان من الركود الأقتصادي وفقدان سبل العيش. فالتوتر وانعدام الأمن والشك الذي حل بالعالم بعد احداث 11 من سبتمبر قد خلق بيئة ملائمة لإنبعاث وازدهار الجناح اليميني في جميع مظاهره المختلفة من التيار السائد وحتى اقصاه وغالبا ما أصبحت الحدود بينهما غير واضحة.

والشئ الذي لا يمكن انكاره هو ان اوربا تتجه نحو اليمين. والسؤال هو فيما اذا كان هذا التحول حتمي ولا رجعة فيه. هل ينبغي علينا جميعا ان نقبل هذا الواقع الجديد على انه قدر اوربا الذي لا مفر منه؟ او ان التعبئة والتحالف الواسع لقوى اليسار في تنوعاتها المختلفة- مثل الأقليات العرقية والدينية وجماعات حقوق الإنسان وجميع من يعارض النظرة السياسية الضيقة والإقصائية للجناح اليميني- يمكن ان يوقف الزحف اليميني؟

 

الغارديان 7 مايو 2008

المقال بالانجليزية

 Posted by at 6:44 م

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)