أكتوبر 242007
 

في غضون ايام قليلة ستقوم كتلة لتجمعات اليمين المتطرف تحت مسمى “تحالف اوقفوا أسلمة اوروبا” بتظاهرات في لندن وكوبنهاجن ومارسليا للمطالبة لوضع حد لما سموه “التوسع الإسلامي العلني والسري في اوربا”. وعلى الرغم من ان هذه الفعاليات ستستقطب عددا قليلا من المحتجين على الأرجح ولكن رسالتهم سيكون لها صدى واسعا. فقد انتصر حزب الشعب اليميني، وهو الحزب الذي عُرف بمعاداته الشرسة للأقليات العرقية وللمسلمين، يوم السبت في الانتخابات السويسرية حائزا على نسبة %29 من الأصوات وهو افضل اداء انتخابي لأي حزب في انتخابات البلاد منذ عام 1919.

الجناح اليمني في صعود في اجزاء كثيرة من اوربا. وبعيدا عن الطروح السياسية الواضحة لهذه الأحزاب فإن هذا الصعود يأخذ شكلا اخر اكثر إثارة للقلق. فما كان تقليديا محصورا في هوامش الخطاب السياسي السائد بدأ يتدرج في الدخول الى التيار السياسي العام حيث بدأت أحزاب وسطية تستوعب الكثير من خطاب اليمين المتطرف الذي يلقى شعبية. ويندرج تحت هذه الحقيقة الشكوى المقدمة من قبل جان ماري لوبان زعيم حزب الجبهة الوطنية العنصري بأن نيكولاي ساركوزي “سرق عباءته”. وعبر بحر المانش فان المرشح عن حزب المحافظين لبلدية لندن بوريس جونسون يعتقد “ان الخوف من الإسلام لاي قارئ للقران غير مسلم يعتبر رد فعل طبيعي.”

نحن نشهد عودة الضرورة الثقافية من النوع التي كانت تسيطر على الخطاب الأكاديمي والسياسي حتى منتصف القرن العشرين. وموضوعها الرئيسي وهو نقاء وتفوق الثقافة الأوربية التي تم التعامل معها بضربة قوية من قبل دراسات ما بعد الإستعمار التقليدية والنقد الجذري للإستشراق. وقد جلب معه هذا التوجه الأصوات التقدمية واليسارية من اوربا والولايات المتحدة ومن الجنوب وسط تفكيك لإمبراطوريات العصر الحديث وظهور حركات التحرر في دول العالم النامي.

ويعيد نفس الخطاب بناء مصطلحاته اليوم بإستبدال مصطلح الشرق والغرب الكلاسيكي الثنائي القطبية في جوهره الى اخر هو “الإسلام” و”الغرب”. ان عقلانية الغرب وتسامحهم وتفردهم وحريتهم تتناقض اليوم مع خرافة الإسلام وتعصبه واستسلامه للقدر وقمعيته. وفي كتب التاريخ تجلى هذا الإتجاه في قيام اسطورة الإمبراطورية الخيرة التي دافع عنها كل من نيال فيرجسون واندرو روبرتس.

احداث 11 من سبتمبر وظهور جماعات العنف الإسلامية المتشدة والحرب على الإرهاب قد اوجدت تربة خصبة لإحياء هذا التقليد. فروحه تتغلغل كثيرا في اللغة المستخدمة في المجال السياسي وكثير من قطاعات وسائل الإعلام. فما كا يعُد في السابق تشويها للسمعة يمضي الآن دون سوأل ونادرا ما يُعلق عليه. تختلف المفردات من الهجرة الى الإندماج الى المواطنة الى الإرهاب الى التطرف الى الإسلام وسلسلة لا تنتهي من المذاهب. ولكن المشاراليه ثابت لا يتغيير: الإسلام والمسلمين. هي لعبة من التلميحات والرموز والمعنى فيها يُنقل بسهولة دون الحاجة الى توضيحات او مباشرة.

وبعيدا عن كل الضوضاء حول “المشكلة الإسلامية” بالنسبة لأوربا يكمن القلق المتزايد من تغير نسيج المجتمع الأوربي. لقد ولت ايام اوربا باصحابها المسيحين وذوي اللون الأبيض. فالآن اوربا متعددة الأعراق والديانات والثقافات الحقيقة التي لايستطيع الكثير قبولها. المسلمون هم الآن جزء من واقع يتطور ولكن فكرة ان القارة تتعرض للإسلمة هي من نسج خيال اليمينين.

يشكل المسلمون بين 20 الى 25 مليون نسمة او نحو %4 من مجموع سكان اوربا البالغ عدده 540 مليون نسمة. والغالبية العظمى منهم فقراء ومهمشون اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. ومهما يقول المتوجسون خوفا فان الجيوش الإسلامية ليست على ابواب اوربا وتستعد للغزو.

ويعكس هاجس موضوع الهوية البريطانية في المملكة المتحدة وقيم الجمهورية في فرنسا حالة من القلق حول الهوية. فانهيار الإمبراطورية والعولمة وتدفق المهاجرين من المستعمرات القديمة قد جلبت أناس جدد الى حضن اوربا. المسلمون الأغيار-الشرقيون اوالأتراك- والذين أقامت أوروبا حدودها الوهمية الجغرافية والثقافية ضدهم أصبحوا موجودين داخل حدودها كجسم غريب. فمن حدود الأمبراطورية الممتدة في مستعمرات عبر البحار في لاهور او الجزائر تحول المسلمون الى حدود العواصم والمدن الصناعية في لندن وباريس. فتداخل الحدود الثقافية والهوية جعل من الصعب رسم حدود صارمة بين الشرق والغرب وبين اوربا والإسلام وبين الأبيض والأسود.

ففي قلب “المشكلة الإسلامية” في اوربا هناك ضعف وربما عدم استعداد لتوسيع قاعدة التسامح لتشمل القادمين الجدد من العالم الإسلامي. فالتسامح ليس مفهوما مجردا با هو وليد سياق تاريخي محدد. ففي اوربا كانت نتاج الحروب الدينية التي انتهت في فرنسا على سبيل المثال بمرسوم نانتس عام 1598. وبعد اهوال المحرقة امتد التسامح ليشمل اليهود. ومع حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة امتدت بشكل اكبر لتشمل السود والأقليات العرقية الأخرى- قانونيا ونظريا- وان كانت لا تطبق عمليا. ولاتزال هناك مقاومة لتوسيع رقعة القاعدة لتشمل المسلمين وهذا أمر يظهر في الجدل المثار حول بناء المساجد في اوربا الشمالية بالإضافة الى “مشكلة الحجاب” في فرنسا والمانيا ودول اخرى.

يسأل بعض اشباه الليبراليين باستمرار كيف يمكن ان يكونوا متسامحين مع أناس ينادون بعدم التسامح- ويقصدون باولئك الناس المسلمين طبعا. ولكن من الأفضل ان يُطرح السوأل كالتالي: الى اي مدى حقا يمكن لأولئك الذين يعلنون التسامح ان يكونوا متسامحين؟

 

الغارديان 24 أكتوبر 2007

المقال بالانجليزية

 Posted by at 4:43 م

Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/soumayag/public_html/ar/wp-includes/class-wp-comment-query.php on line 399

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)