مايو 312007
 

“هل الإسلام يتعارض مع الديمقراطية؟” كان هذا هو عنوان جلسة نقاش (برعاية نيو ستيتسمان) في مهرجان هاي في عطلة نهاية الإسبوع الماضي. ان هذا السوأل النمطي، الذي ابقى العشرات من الصحفيين والكتاب مشغولين اليوم، هو في الحقيقة نتاج الفهم النمطي لـ “الإسلام” و “الديمقراطية”.

يظهر الإسلام هنا على انه دين منغلق على ذاته لا يعترف باي ارادة سوى ارادة الله القهار ولا يترك مجال للفرد ولا لحريته ولا لاستقلاله سواء ان كان رجلا او امرأة. وتواجه هذه الكتلة المتينة “الديمقراطية” كإضاد لها؛ “الديمقراطية” هذا الإبن الضال لقيم التحررية الفردية والذاتية والعلمانية والعقلانية.

هذه نظرة قاصرة للمصطلحين موضوعي النقاش. وما فشلت في رؤيته هو ان الإسلام مثل اي دين اخر كان ولم يزل وسيبقى دائما خاضعا لاستراتيجيات متعددة التفسير. فالإسلام الأحادي والمتماثل والمطلق المطروح للنقاش لا وجود له خارج اذهان الأصوليين والمتدينين والعلمانيين- والذين لم تخل منهم الجلسة.

فغياب سلطة دينية (مثل البابوية) كان عاملا من عوامل اثراء التقليد الفكري والثقافي الإسلامي والذي أفسح المجال لظهور مدارس الفكر المتعددة بشكل كبير. ومع ظهور ازمة الحداثة في عصر ما بعد الإستعمار وتآكل المؤسسات العلمية العظيمة- مثل الأزهر وجامع الزيتونة والقرويين- واضعاف السلطة المعنوية للعلماء (علماء الدين) تحولت التعددية التفسيرية من فضيلة الى لعنة. وهذا هو الحال الذي نحن عليه اليوم، محاصرون بطوفان من القراءات المتطرفة. وفي وسط هذه الفوضى نجد شخصيات غامضة مثل بن لادن والظواهري يمكن ان يدعوا لأنفسهم الحق في الحديث باسم الإسلام والملايين من اتباعه في جميع انحاء العالم.

وتُخضع هذه اللزومية القصيرة النظر الديمقراطية لنفس المعاملة وترسمها على انها نظام مغلق ومحدد مسبقا قادرا على ان يأخذ نموذجا واحدا فقط الا وهو النموذج الليبرالي الغربي. ومع ذلك فالحقيقة ان الديمقراطية لا هي فكرا مقدسا ولا هي عقيدة فوق التاريخية بل هي مجموعة من الآليات والأدوات سُخرت لعلاج المرض السياسي المسمى الإستبداد.

وتتضمن هذه آلية المساءلة السياسية وسيادة القانون والفصل بين السلطات وضوابط وتوازنات السلطة. فمثل هذه الأدوات تكون قادرة على العمل عبر نطاق واسع من الثقافات والتقاليد في المملكة المتحدة كما في الهند وفي جنوب إفريقيا كما في الولايات المتحدة. ويمكنها العمل في ضمن الإطار الجمهوري للولايات المتحدة كما هو الحال ضمن إطار الدولة المركزية في فرنسا وفي إطار النظام الملكي التحرري البريطاني كما هو الحال مع نظيرتها الثورية التحررية الأميركية. وليست الديمقراطية حكرا على الأنظمة الغربية التحررية؛ فسواء أحببت تشافيز الإشتراكي او كرهته فهو يرأس حكومة ديمقراطية في فنزويلا وكذلك يفعل جاره البوليفي موراليس.

يمكنني ان اسمع اعتراضك وانت تقول: “ولكن لا أحد من هذه الأنظمة المتواجدة في العالم الإسلامي هي إسلامية. بالطبع يمكنك ان تجد الأنظمة الديكتاتورية فقط.”

ليس صحيحا تماما. فكون “العالم الإسلامي” هو مجال واحد وقاتم محكوم بالكلية من قبل أنظمة ديكتاتورية يعتبر أمرا شائعا وان كان غير دقيق. فتعتبر اندونيسيا وبنغلادش انظمة يمقراطية بينما تعتبر تركيا والكويت والمغرب وموريتانيا والسنغال نصف ديمقراطية. حتى في ايران ، التي يصر العديد على رفضه بوصفه نظاما يكتاتوريا، هو ديمقراطي من نوع ما. فلقد ادخل العديد من آليات الديمقراطية داخل النظام الإسلامي الشيعي. فتتوزع السلطة على العديد من الأفراد. وهناك مجلس ثوري منتخب وبرلمان منتخب ودستور ومجلس الخبراء على سبيل المثال لا الحصر لبعض اجزاء البنية المعقدة للغاية. ومهما كانت تحفظاتنا بخصوص النظام الإيراني فانه اكثر ديمقراطية من نظام الشاه الذي حل محله ومن العديد من الحكومات الموالية للغرب في الشرق الأوسط.

وعند صياغة السؤال حول توافق الإسلام مع الديمقراطية بشكل سلبي يعني أن نضع الإسلام في موقع المدعى عليه والذي عليه ان يثبت براءته امام جميع الإحتمالات. حيث أن الجواب يكون متضمنا في السوأل نفسه ويعطي المعنى أن الإسلام نقيض للديمقراطية.

وما يزيد الأمور سوءا قيام المنظمين لجلسة النقاش بدعوة مايكل كوف وهو من المحافظين الجدد للإجابة عن السوأل المثقل والرئيس الذي يعترف بانحيازه. فهو كالإتجاء الى ايمن الظواهري وعمر بكري للنطق بالحكم في قضية الديمقراطية والليبرالية الغربية.

فما يبدأ بسؤال عن “الإسلام” و”الديمقراطية” يتحول الى نقاش حول “الإسلام المتطرف”. فهذا الانتقال غير المنتظم لموضوع البحث لم يكن مستغربا لدى اولئك الذين يتابعون الخطاب حول الإسلام منذ 11 سبتمبر عن كثب، فلغته الخبيثة تتأرجح دائما من الحديث عن “الإسلام” الى “الإسلام المتطرف” ومن الحديث عن “المسلم”الى الحديث عن “الإرهابي” حتى اصبحت جميع تلك المصطلحات المختلفة مترادفة.

ونفس الرغبة في الإرباك والتشويه هو ما يميز معالجة موضوع “الإسلام السياسي”. فيستخدم مارتن برايت ومايكل غروف تسميات “التطرف” و “الإسلام السياسي” بالتبادل. والنتيجة هي التسوية بين الإثنين كما لو لم يكن هناك فرق بين حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا والقاعدة وبين اردوغان في البرلمان التركي وبن لادن في كهوف تورا بورا. ولو أن طالبة استخدمت هذا الجدل المبسط والمعمم والكسول في مقالة عن “الإسلام السياسي” فينبغي لها ان تعتبر نفسها محظوظة اذا حصلت على درجة النجاح.

بقصد اومن دون قصد فان اولئك الذين يتبنون وجهات النظر هذه يصورن المشهد الإسلامي كما لو كان هوة من الظلام والركود تتلخص في كلمة “القاعدة”. فقد محيت عقود من الفكر السياسي الحديث والمعاصر منذ ان كتب رفاعة الطهطاوي ملفه عن باريس في كتاب (تخليص الإبريز في تلخيص باريس) في القرن التاسع عشر الميلادي. كما مسحت سنوات من التبادل الثقافي والتفاعل الفكري مع فكرة الديمقراطية. وتم تنحية التاريخ جانبا ذلك التاريخ الذي يكشف عن الحركة والصراع على ارض الواقع والذي يبحث وبإصرار على تحويل المجرد الى واقع ملموس.

كما قد تم اخبار اسلافنا من قبل في خمسنيات وستينيات القرن الماضي ان القومية لا تتماشى مع الحرية والديمقراطية واليوم نسمع الشئ ذاته عن “الإسلام السياسي”. فلعنة الناصرية هي التي مهدت الطريق لوحش الأسلمة. انا متأكدة ان هذه الحوارات التي مزقتها الكليشيهات هي موسيقى لآذان العديد التواقين لسماع حديث فردي يؤكد على الأفكار النمطية والتحيزات عميقة الجذور. ولكن للمراقب الجاد لا تعني سوى ضجيج لا معنى له تفنده التطورات في عالم الأفكار والواقع على الأرض.

خلف مصطلحاته المجردة فان السوأل يخفى القضايا الحقيقة التي على المحك. فبدل من السوال عما اذا كان من الممكن للإسلام ان يتوافق مع الديمقراطية وعما اذا كان من الممكن اقناع المسلمين بفضائله، فالسؤال الذي ينبغي علينا طرحه هو: “هل ان المصالح الغربية “في الشرق الأوسط الواسع النطاق” تتعارض مع الديمقراطية؟”

فبين دعم الأنظمة الديكتاتورية في مصر والأردن والمملكة العربية السعودية وباكستان وتونس وبين معاقبة الشعب الفلسطيني على خياراته الإنتخابية كانت الإجابة المخزية والمثيرة على ذلك التساؤل بـ “نعم”. فلو كان غوف وبرايت وامثالهما مهتمين حقا بالديمقراطية لكان من الأجدر بهم ان يقضوا وقت اقل في تلك المهاترات غير المجدية والمزيد منه في الضغط على مكتب 10 داوننغ ستريت والبيت الأبيض ليس من اجل نشر الديمقراطية بل للتوقف عن عرقلة ذلك.

 

الغارديان 31 مايو 2007

المقال بالانجليزية

 

 Posted by at 3:09 م

Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/soumayag/public_html/ar/wp-includes/class-wp-comment-query.php on line 399

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)