سبتمبر 282007
 

عشية زيارته لروسيا ادلى وزير خارجية فرنسا الإشتراكي التأئب برنارد كوشير تصريحا قويا محذرا فيه ايران بان الحرب على الأبواب.

واعلن قائلا ان السلاح النووي الإيراني يشكل “خطرا حقيقيا على العالم اجمع… علينا ان نستعد للأسوء، والأسوء هي الحرب.”

اضطر كوشنر بعد ان واجهته احتجاجات غاضبة في طهران وعواصم عالمية اخرى – وهو الذي كان مؤيدا للحرب على العراق في عام 2003 – الى ان يقلل من اهمية كلامه. واعترض قائلا:” لا اريد ان يقال عني انني من دعاة الحرب.”

في الحقيقة ان رسالة كوشنير لم تكن موجهة لطهران بقدر ما كانت موجهة لواشنطن كما كانت موجهة لبوش اكثر منها لأحمدي نجاد. والرسالة واضحة: وهي ان فرنسا في عهد ساركوزس تنتمي الى “اوربا الحديثة”، كحليف قوي تستطيع الولايات المتحدة أن تعمتمد على دعمه لو اختارت ان تشن حربا على ايران.

وقال ضمنا ان ساركوزي ليس شيراك وسوف لن يكرر اخطاء سلفه ولن يتحدى ارادة واشنطن.

ساركوزي يرغب في ان يلعب دور بلير السابق. وهو حريص على شغل المكان الذي اصبح شاغرا برحيل بلير من مكتب 10 داوننغ ستريت. وبقرار براون سحب القوات البريطانية من البصرة ومدن اخرى في جنوب العراق والهامش الجديد من الفروق بين بريطانيا والولايات المتحدة فان ساركوزي يتجه لتولي دور “الحليف القريب” لأمريكا و”الشريك الذي يُعتمد عليه”.

ولكن التغيير لم يكن من جانب باريس فحسب. فأثر كارثة العراق وتصاعد الصراع في افغانستان كان كبيرا على واشنطن لا يمكن ان يبالغ في تقديره. فنبرة دونالد رامسفيلد المتغطرسة ومفرداته المستخدمة على طريقة رعاة البقر قد فسحت الطريق امام الكلمات المحسوبة لكونداليزارايس وابتساماتها المصطنعة. بوش بحاجة ماسة “لشركاء” وساركوزي اكثر من سعيد في ان يلتزم بذلك.

ان الرئيس الفرنسي الجديد يعمل بنشاط من اجل ان يغير قواعد ديغول الخاصة بسياسة فرنسا الخارجية والدفاعية والتي بقيت على حالها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ووفقا لها فان المصالح الفرنسية الوطنية كان يجب السعي اليها بشكل مستقل عن الولايات المتحدة ومظلة حلف شمال الأطلسي بينما كان من المفروض ان يتعزز الإتحاد الأوربي من خلال الشراكة الفرنسية الألمانية.

ولكن لم تعد هذه هي المبادئ التي توجه قصر الأليزيه. ففرنسا تتخلى تدريجيا عن موقفها من الحكم الذاتي وتربط نفسها اكثر من اي وقت مضى بالولايات المتحدة.

ففرنسا لم تتخلص فقط من تحفظاتها التقليدية بشأن حلف الشما الأطلسي : فهناك حديث عن مفاوضات بين حلف الشمال الأطلسي وفرنسا حتى تعكس الأخيرة مسار القرار الذي اتخذه ديغول في العام 1966 بالإنسحاب من القيادة العسكرية الموحدة للمنظمة والعودة بالكامل اليها.

والحقيقة ان هذا اسواء تحول في السياسة يمكن ان يكون كما ان توقيته لا يمكن ان يكون اكثر خطأ.

ان ساركوزي يخطب ود واشنطن في الوقت الذي يتحول عنها حلفاؤها التقليديون والذين هم حريصون على ان يُروا بعييدين عنها وقلقون من ان يتم ربطهم برئيسها الذي يتزايد العداء ضده في اعين الرأي العام العالمي .

فما الذي تستفيده فرنسا من هذه الصفقة؟ الجواب لا شئ. فلم يعد لدى بوش شئ كي يقدمه لفرنسا او اي بلد اخر بعد ان أُغرق في ازمات العراق وافغانستان وبعد ان اصبح منبوذا بشكل كبير في جميع انحاء العالم ومعزولا في وطنه. فبوش الآن هو عبئ ثقيل منبوذ من الجميع تقريبا، كسفينة غارقة لا احد يرغب في ان يستقلها او يتشبث بها.

وقد استفادت فرنسا كثيرا من معارضتها للحرب الأمريكية على العراق. فقد تمكنت من تصعيد مكانتها الدولية وتعزيز قوتها الناعمة في اجزاء مختلفة من العالم حيث كانت في تراجع.

ولأول مرة تتعالى اصوات المحتجين في بريطانيا مرددة “تعيش فرنسا” وذلك في العام 2003. وحتى في الجزائر حيث قدم ما يزيد عن المليون شخصا ارواحهم من اجل استقلال الجزائر من الإحتلال الفرنسي احتشد الجزائريون مستقبلين لشيراك كبطل بعد ان وضعوا ذكريات الماضي المرير جانبا.

فكما في المثل العربي القديم الساخر الذي يقول عن الذي يقوم بالعمل في غير وقته: ” كمن يذهب الى الحج والناس عائدون منه” فإن سركوزي يريد ان يكون بلير بعد ان ولى زمانه.

فكل ما يمكن ان يحصل عليه هو الشرف المشبوه في ان يكون كلب بوش الجديد وان يقوم المتظاهرون الغاضبون من سياسة الولايات المتحدة الخارجية هو حرق صورة له بدل من صورة بلير.

 

الغارديان 28 سبتمبر 2007

المقال بالانجليزية

 Posted by at 4:23 م

Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/soumayag/public_html/ar/wp-includes/class-wp-comment-query.php on line 399

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)