نوفمبر 282007
 

اندلعت مرة اخرى احداث شغب في ضواحي باريس وهذه المرة في فيلرز لوبيل الضاحية المنكوبة بالفقر والواقعة الى شمال العاصمة. ولليلة الثانية على التوالي القى الشباب الغاضب بالحجار والقنابل الحارقة والألعاب النارية على الشرطة واضرموا النار على مئات السيارات والمباني. وتتحدث التقارير الأخيرة عن جرح نحو 80 ضابطا وحرق العشرات من السيارات والمباني بضمنها المكتبة العامة التابعة للبلدية ومدرستان وعدد من المحال التجارية.

وهذه الإضطرابات تذكرنا بشكل واضح بالإضطرابات التي هزت ضواحي باريس قبل عامين والتي استمرت لعدة ايام انذاك. حينئذ وكما هو عليه الحال الآن فان شرارة المواجهات كانت بسبب وفاة شابين مراهقين في احداث كانت الشرطة طرفا فيها. هذه المرة كانت الضحيتين من اصل جزائري الأول محسن ويبلغ عمره 15 عاما والأخر لارمي يبلغ عمره 16 وقد فقدا حياتهما بسبب اصطدام دراجتيهما النارية بسيارة للشرطة.

وبالرغم من ان الشرطة قد انكرت انها كانت تلاحق الشابين الا ان شهود العيان اشارو الى أن مقدمة سيارة الشرطة كانت مهشمة بقوة والذي يعني انها قد صدمت هذين الشابين المراهقين من الخلف. كما أخبر بعض من السكان المحليين ان الشرطة قد غادرت المكان دون مساعدتهما بعد الحادث.

وكما يبدوا ان على فرنسا ان تعد نفسها لسنوات من عدم الإستقرر تحت حكم الرئيس سركوزي فمنذ انتخابه رئيسا للدولة قام عمال النقل والطاقة والمعلمين وموظفي البريد ومراقبي الحركة الجوية وطواقم عمل المستشفيات والطلاب بالاضراب. وحتى القضاة يهددون بالإضراب عن العمل. فمن “الحثالة” و “الأشقياء” في الضواحي والمحتاجون الى “التنظيف” الى المجموعات التي تستخدم عضلاتها والمحتاجة الى ترويض يبدوا ان ساركوزي قد نجح في فتح جبهات جديدة بينما القديمة لاتزال مستعرة. فهو يضع نفسه في مواجهة مع التقليد الفرنسي في العدالة الإجتماعية والمساواة والتي ومنذ الثورة الفرنسية عام 1789 وهي تمد النظام الإجتماعي السياسي الفرنسي باحد اهم مصادر الشرعية.

ولكنها معركة خاسرة بالنسبة للرئيس فهو خاضها في المكان الخطأ والوقت الخطأ. فسركوزي ليس كتاتشير ولا فرنسا كبريطانيا وهذه ليست ثمانينيات القرن الماضي مع انتصارات الليبرالية الجديدة. فما يعتبره هو عبئا تراه فرنسا كجزء صميمي جدا للدولة الجمهورية وسبب لوجودها.

ولكن حروبه مع الضواحي محكوما عليها بالفشل. فلو حاول قدر ما يستطيع فلن يتمكن من تغيير واقع فرنسا ما بعد الإمبراطورية: فهي فسيفساء من الإديان والثقافات والأعراق والتي لن يستطيع اي قدر من خطابات الجناح اليميني ان يغيرها او يمحوها.

صحيح ان مشاكل فرنسا مع اقلياتها تسبق انتخاب نيكولاي سركوزي. الا ان العرب والأفارقة الموجودين في فرنسا الذين جيئ بهم من مستعمراتها السابقة كأيدي عاملة رخيصة قد تركوا لعقود للتعفن. فقد عاشوا في جيوب مظلمة من الفقر والتهميش تحدها المراكز الراقية التي ساعدت موارد بلادهم الأصلية وكدهم في انشاءها.

ويجد الأغلبية منهم انفسهم محاصرون في مناطق سكنية فقيرة حيث ارقام البطالة ثلاثة اضعاف المعدل الوطني. أما اولئك الذين يتحدون الصعاب وينجحون في نيل المؤهلات الجامعية فهم خمس مرات اكثر عرضة ان ينتهي بهم المطاف لأن يكونوا عاطلين عن العمل من اقرانهم من البيض (%26.5 مقارنة مع %5 من البيض). معظمهم مهددون بالسقوط في هاوية اليأس بسبب البطالة والتمييز العنصري والإشتباكات مع الشرطة.

المشاغبون الذين اضرموا النيران في رياض الأطفال والمحلات التجارية هم فرنسيون بالولادة واللغة والتعليم والثقافة. ومع ذلك فان فرنسا لاتزال ترفض الإعتراف بهم كجزءا منها وتشير اليهم بالمهاجرين وابناء المهاجرين.

اذكر مرة انني سألت مجموعة من الشبان من اصول عربية وعوائلهم تعيش في فرنسا منذ عقود ما اذا كانوا يشعرون بانهم فرنسيون. الجميع اجاب بالنفي. “لا املك شيئا هنا. هناك وظائف ولكن ان كان اسمك محمد او علي او رشيد فلا تكلف نفسك عناء التقديم للوظيفة. اكثر ما يمكنني ان اطمح اليه هو ان احصل على وظيفة في مطعم ماكدونالدز القريب”. واجاب اخر بمرارة: “ولدت هنا وابي ولد هنا. لا اعرف كم جيل سيستغرق الأمر كي يُنظر الي على انني فرنسي؟”

فقمحيو فرنسا (وهو الإسم الذي يشار اليه للعرب بالعامية الفرنسية) هم ابناء واحفاد رعاياهم في مستعمراتهم سابقا ليس لهم اي شعور بالإنتماء للأمة الفرنسية. ليس هذا بسبب انهم غير وطنيين في الأصل او انهم معادون لفرنسا بشكل طبيعي ولكن لان هذه الأرض التي ولدوا عليها وتربوا لاتزال تنكر عليهم الحق في العيش الكريم او الإحساس بانهم معترف بهم.

لا احد يثر الكثير من الضجيج حول الإندماج اكثر من ما تفعل فرنسا. ولكن الهوة بين خطابها فيما يتعلق بالمساواة وبين سياساتها في التمييز العنصري لا يمكن ان تكون اكبر من ذلك.

فاكثر من %20 من اولئك الذين ولدوا في فرنسا لهم اباء او اجداد مهاجرون ففرنسا ارض المهاجرين. ومع ذلك فان فرنسا لا ترى في نفسها بلد متعدد الثقافات. لقد تم تاسيس هويتها الوطنية بناءا على طلب الإنصهار غير المشروط لما يسمى بالقيم “الفرنسية” و “الجمهورية”. وبسبب اسطورة التماثل الثقافي والعرقي فان فرنسا تصر على ابقاء مهاجريها محجوبين وتغض الطرف عن العنصرية المستشرية في نظامها الإجتماعي السياسي.

وان كانت الأزمة الإجتماعية لم تنشأ مع وجود ساركوزي بالحكم لكن انتخابه كرئيس لفرنسا جعلها اسوأ. فما هومطلوب هو شخصية تصالحية قادرة على ترميم جدران النظام المتصدعة وتأمين الوحدة الداخلية والإنسجام. وبدلا من ذلك عندنا رجل متوتر وقاس وايديولوجية انقسام. صدم جان كواترمير الصحفي التحرري العديد عندما ذكر ان ساركوزي هاجم المسلمين في اجتماع في بروكسل مع رئيسي الوزراء الإيرلندي والسويدي. وكتب الصحفي ان ساركوزي “شن هجوما لاذعا حقيقيا ضد المسلمين امام ضيوفه. ووفقا لمصادري فان رئيس الدولة قفز الى حديث مشوش استمر مدة عشرين دقيقة…ضد “العدد الكبيرجدا من المسلمين المتواجدين في اوربا. ووصف ايضا بطريقه مروعة “صدمة الحضارة” التي تضع المسلمين في صراع مع الغرب. كل ذلك من اجل ان يبرر معارضته لإنضمام تركيا للإتحاد الأوربي. ولكن الإنطباع الذي ترك لدي محاوريه هو ان ساركوزي ليس لديه مشاكل جادة مع المسلمين فقط بل لديه مشكلة في السيطرة على انفعالاته.”

فلو نجح ساركوزي في عرقلة تركيا عن الإنضمام للإتحاد الأوربي فما الذي سيفعله بالأقلية المكونة من اربعة ملايين من المسلمين في فرنسا، والأكبر في اوربا كلها؟ هل سيرحلهم ترحيلا جماعيا ربما؟ إن ما فشل ساركوزي في ادراكه هو أن معظم اولئك الذين يرفضهم كغرباء هم اكثر منه انتماءا لفرنسا منه هو. سيحسن صنعا اذا تذكر انه هو ابن مهاجر وان الكثير من “المشاغبين” و “الرعاع” الذين يريد ان يطردهم لهم اباء وحتى اجداد ولدوا في فرنسا.

هناك حاجة للتدقيق في الواقع. ففرنسا لا يمكنها ان تهرب من تاريخها. فالعرب والأفارقة الموجودون فيها لم يأتوا من فراغ. ففرنسا الإستعمارية رسمت ماضيهم وهم اليوم يرسمون حاضر ومستقبل الجمهورية. وليس هناك اي قدر من الغطرسة الثقافية والقمع الإجتماعي يمكن ان يعكس هذا المسار. وهذا ما سيدركه ساركوزي عاجلا ام اجلا.

 

الغارديان 28 نوفمبر 2007

المقال بالانجليزية

 Posted by at 4:48 م

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)