يوليو 112008
 

لو التقطت اليوم اي صحيفة في بريطانيا او في اي مكان اخر في اوربا او شغلت التلفاز او ضبطت المذياع على محطة ما فغالبا ما تحصل على الانطباع ان “مجتمعاتنا” – ان لم تكن الحضارة الغربية في مجملها- تواجه الخطر الإسلامي الوشيك على غرار الأخطار القديمة للفاشستية. فمنذ التفجيرات الإرهابية لنيويورك ومدريد ولندن أصبح “خطر الأصولية” جزءا من الهواء الذي نتنفس. لقد اصبح العكاز الخطابي للجميع من الجناح اليمني المتعصب الى السياسين الإنتهازيين و”المتطرفين سابقا” التائبين كل حسب اجندته الخاصة به.

فنحن نعيش اليوم وسط انفجار خطابي وتصويري حول الإسلام والمسلمين. أثارتها الأعمال الوحشية لتنظيم القاعدة المتطرف وتمت تغذيتها من قبل سياسة الخوف والشك. ضحايا هذا الانفجار يتضمن الموضوعية والتوازن والقابلية على الحكم على القضايا بهدوء وعقلانية. فيعاد انتاج المواد الشائنة وتدويرها الى ما لا نهاية لذلك فليس من المستغرب ان يكون فهم العامة عن الإسلام والمشاكل السياسية المعقدة الخاصة بالعالم الإسلامي محدودا في افضل الأحوال.

لقد كان لسنوات الترويج للخوف والتشنيع عواقب وخيمة: اتساع الجهل والتعصب وتعميق الإحساس بعدم الثقة بين الأفراد والمجتمعات وانبعاث للغة العنصرية والتطرف الخبيثة – كما اوضح ذلك الصحفي بيتر اوبورن في برنامجه الوثائقي دسباتشز على القناة التلفزيزنية الرابعة البريطانية في وقت سابق هذا الإسبوع.

ليس من المبالغة ان نقول ان الإسلام اليوم هو الدين الأكثر قربا من اوربا والأكثر بعدا عنها. فلم يعد الإسلام دينا غريبا اوبعيدا. فقد أصبح الآن جزءا من نسيج المجتمع الأوربي . فالمسلمون هم الأقلية الأكبر في القارة. ومع ذلك فان قربهم المادي لم يجعلهم مألوفين اكثر او مفهومين. وان كان هناك شئ يقال، فانهم يبدون في عيون الأوربيين غرباء والاكثر بعدا والاكثر غموضا من ذي قبل.

ان الخطر الإسلامي المروج له كثيرا هو واحدة من اكبر الأكاذيب في يومنا هذا. ان “العالم الإسلامي” – بالرغم من عدم وجود مثل هذا التكتل- هو منقسم سياسيا وضعيف اقتصاديا. ويعاني تحت وطأة الأزمات والإرث الإستعماري الطويل. ولا اهمية له عسكريا على الإطلاق. فمن المضحك انه ينبغي علينا ان نناقش الخطر الإسلامي في حين وقعت دولتان مسلمتان تحت الإحتلال العسكري المباشر منهية بذلك كل الأمال بان العالم قد اغلق هذا الفصل من التاريخ بإحكام منذ عقود مضت.

وأشك في ان العديد من الخبراء العسكريين يعانون من اجل الحفاظ على وجه طبيعي في كل مرة يتم فيها طرح موضوع ” الخطر الإسلامي”. فهم يعرفون حق المعرفة ان التهديد الإستراتيجي لا يأتي من مجرد القلق والخيال والأوهام ولكنه يأتي من الحقائق السياسية والعسكرية الملموسة. ولا يعني هذا التقليل من شأن الخطر الذي يشكله تنظيم القاعدة وجماعات العنف الأخرى. ولكنها تشكل مسألة امنية يتم التعامل معها من خلال الأجهزة الأمنية والإستخباراتية. ومهما كان مقدار تبجح القاعدة، فانها لن تصل الى حد التهديد الإستراتيجي العسكري ناهيك عن التهديد لـ “الحضارة الغربية”.

وعلاوة على ذلك فان المخاطر الأمنية التي يشكلها تنظيم القاعدة تواجه المسلمين وغير المسلمين على حد سواء. ففي المحصلة ارتكب تنظيم القاعدة فظائع في البلدان المسلمة اكثر منها في العواصم الغربية. فقد فاقت الهجمات الموجهة على الدار البيضاء وبالي والجزائر وتونس واسطنبول والعراق تلك الي في نيويورك ومدريد ولندن.

ففي ضباب ما يسمى الحرب على الإرهاب استخدمت التعابير مثل تنظيم القاعدة والإرهاب والتطرف والإسلاموية –وقائمة طويلة من الأوصاف – كأسلحة فعالة في مجموعة من المعارك. فقد تم نشرها لتشويه صورة الأقليات الضعيفة، والمجموعات التي تمثل مجتمعاتهم المحلية وقادتهم ومساجدهم ومدارسهم الدينية. كما تم تبنيها لتنخر في الحريات المدنية. وكذلك تم استغلالها لتستهدف الأحزاب الإسلامية السياسية السائدة. فمن ضمن الحركات التي وضعت في صنف واحد مرعب والذي سمي بـ”الإسلاموية” جنبا الى جنب مع تنظيم القاعدة كان حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا؛ حركة الأخوان المسلمين- المعارضة الأكبر في البرلمان المصري؛ وحزب العدالة الشعبية في ماليزيا بزعامة انور إبراهيم . فتم تجاهل الفروق الهائلة تعمدا لتبرير استراتيجية للمواجهة الصارمة. وكانت النتائج مدمرة للإستقرار الإجتماعي والتعايش في المجتمع وكانت مدمرة كذلك للعلاقة بين “العالم الإسلامي” و “الغرب” – ومن دواعي السخرية ان الرئيس بوش اعترف بهذا الأمر مؤخرا.

وقد رعى المنتفعين سياسيا ومثيري الذعر نشر فكرة التهديد الإسلامي الخطير لتُصبح حالة عقائدية. ومع ذلك فمهما كان من السهل الإستسلام لهذا الخيال ولكنها تبقى مجرد اسطورة ملفقة من قبل عدد قليل ومستغلة من قبل عدد قليل ومستهلكة من قبل الكثير. فمهما كانت واسعة الإنتشار ومتداولة الى ما لا نهاية فالإسطورة تبقى اسطورة.

الغارديان 11 يوليو 2008

المقال بالانجليزية

 Posted by at 6:47 م

Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/soumayag/public_html/ar/wp-includes/class-wp-comment-query.php on line 399

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)