مارس 312011
 

لم يكن الحكام العرب المستبدون الوحيدين الذين فوجئوا بحجم وسرعة الأحداث في المنطقة. فقد أُخذ حلفائهم ايضا على حين غرة. فالتغييرات كانت ببساطة “اكثر واسرع من المتوقع” كما وصفها مسؤول امريكي مذهول مما يجري. فمن كونهم الممثليين والمخرجيين الوحيدين على الساحة، فان اوربا وامريكا إضافة الى الطغاة قد وجدوا انفسهم فجاة مجرد متفرجيين وخائفين مما سيحدث في المستقبل.

ربما ليس من المستغرب ان نجد اولئك الذين اعتادوا على املاء مسار الأحداث هناك لن تقبل ببساطة السناريو الجديد الذي كُتب من قبل الملايين من الناس العاديين. وبعد النجاح الباهر الذي حققته الثورة في تونس ومصر سرعان ما وجد اللاعبون القدامى طرقا جديدة للتسلل مرة اخرى الى المشهد.

لقد شجع نموذح معمر القذافي الحاكم ذو القبضة الحديدية والذي يقاتل لأخر قطرة من دمه بعض الحكام المستبدين. فبينما قدمت تونس ومصر للعرب نموذجا للتغيير بأقل الخسائر، فان ليبيا حركت الآمال بين الحكام بانه يمكنهم التمسك بالسلطة من خلال العنف المجرد والتهديد بالحرب الأهلية. لذلك اطلق علي عبد الله صالح العنان لأتباعه في اليمن لقتل المحتجين في ساحة التغيير. كما قام بشار الأسد في سوريا بإطلاق النار على المتظاهرين في درعا واللاذقية بينما قامت الأجهزة الأمنية في البلد الجارالأردن بتفريق مسيرة اعتصام سلمية مطالبة بالإصلاح بوحشية . لقد الهم القذافي زملائه الطغاة لتحويل الخوف الى الناس من خلال استخدام الإرهاب.

كان المستنقع الليبي فرصة لحلفائها الأمريكان والأوربيين ايضا. فقد مكنتهم من إعادة الروح لجثمان “التدخل الإنساني” مستخدمينه كوسيلة لركوب موجة التغيير واعادة توجيه مسارها نحو مصالحهم. فعندما تراجعت امكانية انقاذ القذافي المحتجز في طرابلس وليبيا الغربية- ومعها فرصتهم لحماية عقود عملهم الهائلة- فان القوى الدولية غيرت مواقعها لتلحق بمعسكر الثوار بدلا من ذلك. فغير انصار الإستبداد والفساد الدور الذي يلعبونه الى دور صناع التغيير والديمقراطية.

بيد ان الأمريكان والفرنسيين والبريطانيين والإيطاليين يعلمون من وراء الكواليس لتعزيز رجالهم بين صفوف الثوار للتحضير لمرحلة ما بعد القذافي. فالسباق الحقيقي هو حول من سيتولى المسؤولية في ليبيا الجديدة ومن سيهيمن على اقتصاها.

لقد عانت القوى الغربية من فقدان الإستقرار الذي وضعته في المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية بخسارة بن علي ومبارك ، الإستقرار الذي اعتمد على الحكام المستبدين والمدعومين والركود السياسي وصفقات الأسلحة. وبدأ الغرب يدافع عن الديمقراطية فقط عندما بدا الإستقرار يتزعزع بسبب إحتجاجات الشوارع. ولكن حينما انطلقت هتافات “الثورة” في ليبيا وسوريا اخذ الغرب يدعم حلفائه القدامى بهدوء في الأردن والبحرين وعُمان والإمارات والمغرب واليمن لئلا تمتد الإنتفاضة الى المملكة العربية السعودية، حليفها الرئيسي في المنطقة. ويبدوا ان المنطق هو “الصديق مجرد صديق حين يمكن انقاذه”.

لكن الغرب لا يقوم فقط بنشر قوة عسكرية صارمة في محاولة للسيطرة على عملية التغيير. بل يمد ذراعه الاقتصادي لهذا الغرض ايضا من خلال البنك العالمي وصندوق النقد الدولي. فليس ديفيد كامرون وسلفيوا برلسكوني ونيكولاي ساركوزي الوحيدون المنشغلون بإعادة تسويق انفسهم كإصلاحيين. فعندما تحدث رئيس البنك الولي روبرت زوليك مؤخرا لمجموعة من النشطاء العرب مشيدا بعملية التغيير الجارية في المنطقة ووصفها بانها “اللحظة المدهشة التي ولدت زخمها الخاص”. وعند سماعه وهو يتحدث عن المشكلات التي تواجه “الناس في شمال افريقيا والشرق الأوسط” يظنه المرء خطأ بانه محلل مستقل وبرئ ولا علاقة له باي حال من الأحوال بالأزمات الإقتصادية التي تعاني منها المنطقة.

وهذا جزءا من حملة لإخفاء الحقيقة الجوهرية لما يحدث: بان الناس لا يتمردون فقط ضد الإستبداد السياسي المدعوم دوليا بل ضد النظام الإقتصادي المفروض من قبل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وفي حالة مصر وتونس من برامج الإصلاح الهيكلية التابعة للإتحاد الأوربي. فقد تركت الملايين يكافحون لإعالة انفسهم بأنفسهم بعد ان تم بيع الشركات المملوكة من قبل الدولة الى المستثمرين الأجانب وعصبة من الشركاء المحليين: ونتيجة لذلك استشرى الفساد.

ففي تونس، وهي اول دولة عربية توقع اتفاقية الشراكة الأوربية المتوسطية في عام 1995، تم تخصيص اكثر من %67 من الشركات المملوكة للقطاع العام بينما في مصر يبلغ عدد الشركات التي تم خصخصتها 164 من بين 314. وادى هذا الى اغراق اقتصاد هذه البلدان في الديون مما جعلها رهائن لمساعدات الإتحاد الأوربي والولايات المتحدة.

ففي مصر ارتفع مبلغ الإقتراض العام ليصل الى %89 من اجمالي الناتج المحلي للبلد (بمقدار 183.7 مليار دولار في حزيران 2010) وتم انفاق الكثير منها على استيرا الأغذية عندما اضطر الإقتصاد للتحول من اعتماده على الزراعة والصناعة الى اعتماده على السياحة والخدمات. وبسبب نهب الثروات الوطنية من قبل طبقة الأغنياء الجدد وجد الكثير من الناس غير قارين على تلبية احتياجاتهم الأساسية والعيش في مدن مزدحمة واحياء فقيرة كما انهم سحقوا بتقليص الرواتب وارتفاع الأسعار وتدني الأوضاع المعيشية. كان يأسهم قد بلغ حد ركوب قوارب الموت لعبور البحر الأبييض المتوسط والبعض بلغ الحد بهم الى إشعال النار في انفسهم احتجاجا على الإنتهاك اليومي لأرواحهم واجسادهم.

وعندما فاجئ الشعب التونسي العالم بهذه الإنتفاضة فان اولئك الذين شعروا بالتهديد نتيجة ذلك اسرعوا الى الحديث عن “استثناءات”. فقد تم تحذيرنا اولا بان مصر ليست كتونس ثم قالوا ان ليبيا ليست كتونس ومصر والآن يقولون ان اليمن وسوريا ليست كتونس ومصر وليبيا. لكن الواقع ان هذه المنطقة مرتبطة مع بعضها البعض بشكل اساسي. فلا يشترك العرب بالجغرافية واللغة وحسب بل لهم تطلعاتهم وازماتهم المشتركة. فبالرغم من ان الوطن العربي مقسم الى 22 قسم ما بين دول ودويلات وجمهوريات وممالك فالعرب يشتركون بسوء الحظ كونهم يعيشون تحت اقسى اشكال الحكم ومتحدون بسعيهم لتحقيق الديمقراطية. ماعدا المشايخ الخليجية التي تمتع بمصادر نفطية كبيرة وديمغرافية صغيرة جدا فان معظمهم يعاني من سجل بائس للفشل الإقتصادي وازمات إجتماعية ذات العلاقة.

ان قصة الثورة العربية لا يمكن ان نجدها في السجون وزنزانات التعذيب والمحاكمات السياسية فقط بل في المسار الإقتصادي والإجتماعي البائس المؤلم. فبن علي ومبارك وانصارهم السياسيين في واشنطن ولندن وباريس هم المذنبون – وكذلك البنك العالمي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية. وبطريقة ما فهم الصناع الحقيقيون للثورة العربية الكبرى.

الغارديان 31 مارس 2011

المقال بالإنجليزية

 Posted by at 7:06 م

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)