يناير 042008
 

ولدت مقالتي الأخيرة عن الخطاب السائد في تحرير المرأة المسلمة مناقشة ساخنة شارك فيها العديد من المعلقين الصحفين وعشرات التعليقات من رواد الانترنت فيما يخص مواضيع تتراوح بين المسؤولية الأخلاقية تجاه ضحايا القهر الى عالمية حقوق الإنسان ودور اليسار في استراتيجيات التحرر.

ويمثل رد علي ايترازعينة من التيار الحالي بين اوساط الليبراليين وجناح اليسار. فبعد كارثة العراق بشكل خاص كانت هذه الفئة شديدة النقد لرفاقهم اليساريين الذين تحالفوا مع المحافظين الجدد في واشنطن تحت مسمى التحرير واليمقراطية.ولكنهم ليس اقل لوما للأخرين من جناح اليسار الذين تدفعهم خشيتهم من خطر التدخل العسكري الى “غض الطرف” عما “يجري من معاناة” ومتجاهلين مسؤولياتنا الأخلاقية في تخليص الضحايا البؤساء في الدول ذات الأغلبية الإسلامية وخاصة النساء منهم من بؤسهم.

وبينما كان هناك الكثير من الضجيج حوال الحاجة للقيام بمساعدة المستضعفين فان ايتراز والكثير امثاله بقوا صامتين حيال السوأل الملح عن طبيعة المساعدة التي ينبغي تقديمها. فليس كل المدافعين عن قضية التدخل منذ حملة نابليون على مصر في عام 1798وحتى احتلال العراق استخدموا قناع الدعوات الأخلاقية من اجل المصالح السياسية والإقتصادية فحسب، وليس كلهم بالضرورة كانوا خبراء عسكريين واستراتيجين. الكثير منهم اعتقدوا بشغف انهم يحملون اعباء البؤس العالمي على كاهلهم. فمهمتهم كما رأوها فيها من الإيثار ومدفوعة بالعطف على المضطهدين بشكل محض والحرص على سلامتهم.

الأسئلة التي يحتاج ان يجيب عليها ايتراز والمشاركون في الوعظ الأخلاقي هي: كيف يمكن تفسيرضميرهم الأخلاقي هذا؟ وما ينبغي ان تكون عليه طبيعة المساعدة التي يدعون اليها؟ هل يجب ان تكون من خلال الضغط السياسي والدبلوماسي او القوة الناعمة على غرار الحرب الباردة او من خلال الأعمال الخيرية او التبرعات او حتى عن طريق الدعاء؟

العمل العسكري هو تعبير واحد فقط عن التدخل وان كان الأكثر وحشية ووضوحا. التدخل قد يتخذ العديد من الأشكال وليس شكلا واحدا. وكلنا يعلم انه في عالم السياسة ليس هناك شئ فوق الشبهات؛ ولا شئ يتم لوجه الله او من اجل الإنسانية ولا شئ في مأمن من ان يكون مُستغلا من قبل المهيمن والأكثر قوة.

ومن الطريف ان نسمع ايتراز والأخرون يهنئون انفسهم على جرأة طرح “الأسئلة الصعبة” فيما يتعلق بالنساء المسلمات، بينما اصبحت اسئلتهم مستهلكة وسطحية وطالما تم اجترارها في وسائل والصحف. وان نظرنا الى قائمة الأسئلة التي يدعونا لمناقشتها وعى راس هذه الأسئلة “ماذا يمكن فعله فيما يتعلق بالرجم في البلدان المسلمة؟ ” و”هل قتل الشرف جريمة عاطفة أم جريمة دين؟” مما يُعطي انطباعا ان النساء المسلمات من طنجة وحتى جاكارتا محكوم عليهن بالموت إما بالرجم او بجريمة الشرف. كما لو ان مشاكل النساء المسلمات محصورة فقط على هاتين الجريمتين وبإزالتهما سيرون ان جميع مشاكلهن ببساطة قد تلاشت.

قد يكابد المرء ليجد اي شئ يتعلق باليسار في مثل هذا الخطاب. فهو متغلغل مع روح خطاب اليمين الشكلي والذي يُرجع كل شئ للثقافة وعلم اللاهوت والتشريع. التحليل هو هيغلي في جوهره ولكنه متعطش لفكر ماركس او انجلز لقلبه راسا على عقب قد يتمكن من السير على قدميه بدلا من راسه. وعندما يتم ذلك يمكننا ان نبدا بإزالة القشور الخارجية للفكر والثقافة للكشف عن الهياكل الإجتماعية الإقتصادية للظلم الذي تسحق تحت وطأتها حياة النساء وامالهن وتطلعاتهن. وعندها فقط يمكن ان نعزوا التحليل لليسار.

وفي عالمنا المحكوم بالمؤسسات المعولمة ومراكز القوى المتكتلة لا يمكننا ان نتجاهل السياق الدولي. ففقط عندما نرى المظلومين كخيوط في نسيج واسع من علاقات القوى الوطنية والدولية قد نأمل في فهم محنتهم. فالفشل في تحليل المشاكل بعمق وبدقة يؤدي الى طرح اسئلة خاطئة وعرض حلول خاطئة.

ربما الأكثر خطورة في تحليلات امثال تلك التي يقدمها ايتراز وهي الحبيسة -والتي تحبسنا- في تصنيفات الثقافة والدين هو انها تغفل عما يوحد الضحية المسلمة بالضحايا من الأديان الأخرى. فهذا يعني انني مادمت امرأة مسلمة فينبغي علي ان اهتم بالنساء المسلمات في جمهورية مالي اكثر من النساء المسحيات في الكونغو او انه علي ان افعل الكثير من اجل التخفيف عن معاناة النساء المسلمات في سيريلانكا أكثر من جاراتهن البوذيات.

انني ارفض ان افعل ذلك. واعتقد انهن كنساء يعشن في دول العالم “الثالث” او “النامي” فكل النساء هناك لديهن اشياء مشتركة بغض النظر عن انتماءاتهن الدينية. فجميعهن مشلولات بسبب الفقر والحرمان وانعدام الفرص والتعليم الكافي والرعاية الصحية والضمان الإجتماعي. فهل يختلف وضع النساء في ريف بنغلادش عن وضع اخواتهن في ريف الهند؟

فاليسار الذي اريد وسأكون فخورة بالإنتماء اليه هو ان يكون مجهزا بحس تاريخي حاد وثاقب وروئية مركبة وقادرة على التغلغل في اعماق الظواهر ووضعها في سياقاتها الصحيحة. وان لا يكون ضحلا ولا ضيقا وان لا يتوقف عند الطبقات الخارجية وان لا يعالج الأمور مجزأة.

هذا اليسار يجب ان يكون انسانيا ينتبه لصرخات المضطهدات ولكن يجب ان لا ينصب نفسه وصيا عليهن او فاعل خير. وان لا يحمل داخله الفوقية الأخلاقية وان لا ينظر للمظلومة على انها كتلة مستضعفة تنتظر معونته وان لا يريد ان يأخذ دورها ويتحدث بالنيابة عنها او يملي عليها كيف يمكن ان يتم تحريرها.

وان لا يكون متعجرفا ثقافيا بل متواضع يضع نفسه في خدمة المظلوم وان يسمح لهن في تحديد اولوياتهن واجندتهن وان يرسمن طريقهن الخاص بهن للتحرر. فتضامنه معهن لا ينبغي ان يكون مشروطا بقائمة متطلبات- مثل تلك التي يفرضها البنك الدولي على الدول الفقيرة التي تحتاج المساعدة. فيجب ان لا يتوقع من المرأة المسلمة ان تجعل من نفسها صورة منه ولا يتوقع ان يرى انعكاسه على وجهها.

قبل بضع سنوات كان لي لقاء مهم ومزعج نوعا ما مع مجموعة من النساء الإشتراكيات يعتصمن خارج جامعتي ضد الحجاب (وبعدها كانت لي صداقات مع بعض منهن عندما عملنا سوية في حركة مناهضة الحرب). بدون ان يستشرنني كن قد قررن انني ضحية وبدون ان يأخذن موافقتي عينّ انفسهن كمحررات لي. وعندما تجادلت مع تلك النساء اللواتي كن غربيات في منتصف العمر صرخت احداهن قائلة “لوكنت مكانك لكنت قد مزقت حجابك هذا ولتححرت”. فهللت رفيقاتها.

وبعد ذلك كنت قد لاقيت نفس الموقف المتعالي والصلف الثقافي والوسطية الأوربية من قبل الجناح اليساري وان كان التعبير عنه اكثر هدوء واقل وضوحا. فعلى ما يبدوا انهم قد تشربوا اليقينيات والنعرات من الثقافة السائدة دون تفكير. كنت ولا زلت اشعر بالفضول لتناقض اليسار الذي ينتقد الامبريالية السياسية والاقتصادية ومع ذلك يغفل بسعاة واحيانا كثيرة يشارك في الجانب الثقافي للإمبريالية. فتحت مسمى الشمولية والتقدم والتحرر يريد اليسار ان يفرض معاييره الضيقة وتجاربه كنموذج مثالي ومطلق ومتكامل للآخرين كي يطبقوه- وهذا ما يتضح في الجدال الأخير بين لندا غرانت وسلام المهادين.

لليساريين دور يلعبونه في استراتيجية التحرير، ولكن للعب هذا الدور يحتاجون لجرعة كبيرة من الوعي التاريخي وحتى لجرعة اكبر بكثير من التواضع الثقافي.

 

الغارديان 4 يناير 2008

المقال بالانجليزية

 Posted by at 6:25 م

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)