أغسطس 172007
 

التصريح الرسمي في واشنطن ولندن هو ان الهجمة العسكرية على ايران “غير حتمية”. وقال طوني سنو وزير اعلام بوش: “نحن لا نستعد لغزو ايران.” وأضافت نائبته دانا بيرينو: “لا افهم لماذا يحاول بعض الناس النفخ على الجمر عندما لا تكون هناك نار،”

وبالطبع تم التصريح عن مثل تلك الضوضاء عندما سعى المسؤولون الأميركان والبريطانيون بإستبعاد اي مقترحات بشأن اقتراب ضربة عسكرية وشيكة على العراق. وردد البنتاغون والوايت هول مرة تلو الأخرى بان الحرب غير حتمية ولا وشيكة. ثم وقعت الحرب.

ان توجيه ضربة عسكرية وشيكة لايران ليست مسألة تكهنات بل حقائق ملموسة على ارض الواقع. وما قد يبدوا للوهلة الأولى وكانه مجموعة من الأحداث غير المترابطة تتحول بالتمحيص الدقيق لتكون جزءا من نفس الصورة المتكشفة. وعند ربط هذه الجزئيات مع بعضها البعض فستؤدي الى الإستنتاج بانها ابعد ما تكون عن كونها مجرد اختيار موضوع على الطاولة كما أوحت مقالة ديفيد مفيم امس فان القرار بمهاجمة ايران قد حُسم بالفعل والإستعداد لتنفيذه جار ايضا. والحديث عن العقوبات الإقتصادية (العصي والجزر) امر تأخر كثيرا.

ومن الجذير بالذكر ان جذور الأزمة بين الولايات المتحدة وايران تعود الى الصدام بين الخطوط الحمراء والإستراتيجيات الكبرى. فالأمريكان وحليفتهم إسرائيل غير مستعدين لان يسمحوا لإيران بان تتابع برنامجها النووي وبينما الإيرانيون غير مستعدين للتخلي عنه. فهي معادلة صعبة لا تترك مجالا للمناورات وتدفع بالطرفين تجاه المواجهة العسكرية.

والحقيقة ان التمحيص الدقيق للموقف يشير الى اننا لم نعد في مرحلة الطوارئ للتخطيط لهذه الحرب بل نحن في المرحلىة التنفيذية.

1) ففي يوم الأربعاء المصادف الأول من اب ابحرت حاملة الطائرات الأمريكية يو اس اس انتربرايز اكبر حاملة طائرات بحرية عبر قناة السويس في طريقها الى الخليج مصحوبة بمدمرات وغواصة. وقد انضمت الأنتربرايز هذه بحاملة الطائرات يو اس اس ستينس ومجموعتها الهجومية وحاملة الأسلحة النووية يو اس اس نيمتز التي حلت محل الـ يو اس اس دويت دي. ايزنهاور مؤخرا في بحر عمان. وتم تكليف 6500 من البحارة ومشاة البحرية في المجموعة الهجومية التي تضمنت ايضا السفينة البحرية يو اس اس انتيتام ذات الصواريخ الموجهة والمدمرات يو اس اس اوكين ذات الصواريخ الموجهة ويو اس اس بربيل ويو اس ان اس بريج سفينة الدعم القتالية السريعة.

فمنذ الحرب على العراق عام 2003 واميركا لم تجمع هذا الكم من القوة القتالية في منطقة الخليج. وعندما سئل روبرت غيتس وزير الدفاع الأمريكي عن سبب هذا النشر الواسع للقوة القتالية أجاب: “اننا لا نخطط لشن حرب على ايران”.

ففي عالم السياسة تعتبر التصريحات الرسمية بمثابة سحابة دخان لا اكثر. ويمكن ان نجد الأستراتيجيات في تحرك القوات والأساطيل الحربية وليس في تصريحات السياسيين.

2) كما أن هناك ضخا للأسلحة في المنطقة بكميات ضخمة ، فقد اعلنت ادارة بوش في الثلاثين من تموز عن مجموعة من صفقات الأسلحة الهائلة تقدر بقيمة 63 مليار دولار (31 مليار جنيه استرليني) لحفائها في منطقة الشرق الأوسط. ومحور الصفقات يتركز حول الإتفاق الذي يقدر بقيمة 20 مليار دولار بين الولايات المتحدة ودول الخليج الفارسي والتي تتضمن المملكة العربية السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين وعُمان. بالإضافة الى مجموعة اسلحة مساعدة مع مصر قابلة للتجديد تقدر بـ 13 مليار دولار بينما تحصل اسرائيل على مجموعة بقيمة 30.5 مليار دولار لعشر سنوات قادمة اي بزيادة اكثر من %25.

3) وتلا الإعلان موجة من النشاط الدبلوماسي رفيع المستوى حيث التقى كلا من وزير الخارجية البريطاني ووزيرة الخارجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط. وسعى الإثنان في زيارتيهما للقاهرة والمملكة العربية السعودية ودول اخرى لتعبئة المنطقة ضد ايران وإحياء الحديث عن محور الإعتدال المهدد من قبل الهلال الشيعي الذي تقوده ايران. وقالت رايس: “ان ايران تشكل التحدي الوحيد الأكثر اهمية بالنسبة للمصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ولشكل الشرق الأوسط الذي نريد.”

وما يجب ان يُفهم من تصريح يوم الأربعاء بان الحرس الجمهوري الإيراني يعتبر منظمة ارهابية هو خلق مناخا ملائما للحرب.

4) ورافق هذه التحركات تفعيلا لعملية السلام الفلسطيني – الإسرائيلي التي كانا راكدة لفترة طويلة. وبعد تأيدها التام للإدعاء الإسرائيلي حول غياب “شريك سلام حقيقي” ومقاطعة كل محادثات السلام مع الجانب الفلسطيني لسنوات، قفزت الإدارة الأمريكية فجأة الى اتخاذ الإجراءات وايفاد المسؤليين الكبار للمنطقة من اجل حشد الدعم لمؤتمر سلام يزمع عقده في نهاية عام 2007.

ومن الغريب ان هذا يذكرنا بما حدث عام 2004 عنما اعلن طوني بلير عن نيته لإستضافة مؤتمر سلام عالمي كـ “بداية هامة لإعادة خارطة الطريق للشرق الأوسط الى مسارها الصحيح” وسط معارضة دولية لغزو العراق. وفي وقتها كما هو الآن فان الهدف يبقى نفسه: امتصاص بعض من التوتر الحاصل في المنطقة والقاء بعض الفُتات لحلفاء امريكا لمساعدتهم في بيع سياساتها لشعوبهم. وان تاريخ المبادرات الأمريكية للسلام في منطقة الشرق الأوسط هي دائما من هذا القبيل كوسائل لإستراتيجيات اوسع لا غاية لها في حد ذاتها.

وهذه التطورات لم تغب عن طهران. لذلك تشهد مناورات متكررة من قبل الحرس الجمهوري والجيش الإيراني في الخليج الفارسي وزيارات احمدي نجاد حديثا الى سوريا وافغانستان واعلان حزب الله بانه قادر على ضرب اي مدينة داخل إسرائيل. وتعرف طهران جيدا ان الحرب غير بعيدة. وتعد نفسها هي الأخرى لإندلاعها.

وبالطبع فان ما تفكر فيه الولايات المتحدة هو ليس غزو البلاد على غرار ما حصل في العراق. وبدلا من ذلك هي تتصور سلسلة من الضربات الجوية بصواريخ كروزتوماهوك منطلقة من السفن البحرية والغواصات الأمريكية المتواجدة في الخليج تستهدف القواعد الجوية الإيرانية والقواعد البحرية ومنصات الصواريخ ومراكز السيطرة والقيادة ومحطات الطاقة النووية في ناتانز واصفهان وآراك وبوشهر.

ولكن الأمور قد تصبح أسوأ مما يعتزمه الأمريكان. فما نحن متأكدون منه انه لو شنت امريكا هجوما على ايران فانها لن تبقى صامتة. وبخلاف نظام صدام الورقي فان ايران تمثل قوة اقليمية قوية قادرة على التحرك على جبهات متعددة. فبالإضافة الى العراق وافغانستان حيث القوات الأمريكية والبريطانية عالقة هناك في صراعات قاسية حيث تتمع ايران بنفوذ كبير فيهما كما ان ايران قادرة على الرد في لبنان بهجمات يشنها حزب الله على اسرائيل وكذلك دول الخليج المختلفة مثل البحرين حيث لها اقليات شيعية كبيرة.

الهجوم على ايران لن يكون بمثابة مهمة سهلة. فان كان العراق الملئ بالإنقسامات الطائفية والعرقية والمتهالك بحربين قاستين والضربات العسكرية المستمرة وسنوات الحصار الإقتصادي الساحق قد أدمى ايدي القوات الأمريكية وحول بوش من صقر الى بطة عرجاء فربما يتسأل المرء ما الذي سيكون عليه حال امريكا في ايران. والشئ المؤكد ان الحرب على العراق ستكون مجرد لعبة اطفال بالمقارنة مع الحرب على ايران. فالحرب على ايران هي بمثابة ضرب من ضروب الجنون لن يجرأ على ارتكابها سوى بوش وزمرته.

 

الغارديان 17 أغسطس 2007

المقال بالانجليزية

 Posted by at 4:18 م

Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/soumayag/public_html/ar/wp-includes/class-wp-comment-query.php on line 399

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)