يناير 042011
 

يبدوا اخيرا أن مياه المستنقعات العربية الراكدة قد تتحرك. فاصبحت تونس، هذه البلدة الشمال افريقية الصغيرة الواقعة على الشواطئ الغربية للعالم العربي، مسرحا لإنتفاضة اجتماعية في الإسبوعيين الماضيين حيث من النادر أن تحدث في هذا الجزء من العالم انتفاضات بسبب السيطرة المحكمة عليها. وما اشعل فورة الغضب الشعبي هذا هو اقدام شاب جامعي عاطل عن العمل يبلغ من العمر 26 عاما على اشعال النيران في نفسه خارج مقر للشرطة في بلدة سيدي بو زيد. وبعد ذلك بفترة قصيرة اقدم شاب اخر على صعق نفسه بالكهرباء وهو يصرخ قائلا: “لا بطالة بعد الآن ولا بؤس بعد الآن!” ومنذ ذلك الحين توالت التقارير عن العديد من محاولات الإنتحار. كما تلت ذلك موجة من التظاهرات والإحتجاجات اكتسحت المدن والقرى في جميع انحاء البلاد – حتى في العاصمة تونس.

وكما هو الحال في كثير من الدول العربية فان الإستبداد والفشل الإجتماعي الإقتصادي قد بلغ حده في تونس. وهذه الأماكن المضطربة في الحقيقة كانت تختفي وراء مظهر زائف في النشرات السياحية والمنتجعات الفخمة المعروضة للعالم الخارجي. فهذا هو عالم التونسيين العاديين ،الطبقة الوسطى المستنفذة بسرعة و المسحوقة تحت وطأة الخصخصة المستشرية وانخفاض القطاع العام وارتفاع الأسعار والديون والبطالة والتهميش الإجتماعي وشباب يركب “قوارب الموت” على أمل ان يهربوا الى الجانب الأخر من البحر الأبيض المتوسط. هذا هو عالم الإفقار المنظم للجماهير الذين يقطنون المدن والقرى الداخلية من قبل الأغنياء الجدد والأقلية الغنية المرتبطة بالرئيس وعائلته من خلال شبكة محكمة من الفساد والسرقة.

هذه هي “المعجزة التونسية” التي يروج لها زين العابدين بن علي ويرددها مؤيدوه في الإتحاد الأوربي وخاصة فرنسا وايطاليا واسبانيا. ومن اجل ذلك قيل للتونسيين ان يلتزموا الهدوء ويتخلوا عن اي أمل في الحرية السياسية والديمقراطية. وبينما يُقر الإتحاد الأوربي بإنتهاكات النظام الصارخة لحقوق الإنسان يبحث مسألة تطوير العلاقات مع تونس ومنحها “وضع الشريك المتقدم”.

ان اسطورة النجاح الإقتصاي الإجتماعي هو ليس تلفيق فقط بل ان الخطاب الرسمي قد تمت استعارته من احدث قاموس ليبرالي، فهو ملئ بعبارات مثل المجتمع المدني والحرية الفردية وحقوق الإنسان. ولكن كل ذلك يشكل حلقة مفرغة في دولة بن علي الأمنية. فقد استولى على السلطة من سلفه في انقلاب عسكري قبل ثلاثة وعشرين عاما ولم يتزحزح عن مكانه منذ ذلك الحين والفضل يعود الى سلسلة الإنتخابات المزيفة – حيث يبلغ نصيبه من الأصوات بين %97 الى %99 وبفضل قوة الشرطة القوية البالغ عددها 150,000 اي بنفس حجم قوة الشرطة البريطانية بينما يبلغ تعداد سكان تونس سدس تعداد سكان بريطانيا.

بدأت حملة الجنرالات الإستئصالية بحملة قمع ضد حزب النهضة وهو الحزب الرئيسي المعارض ذو التوجهات الإسلامية التحررية الديمقراطية في العام 1990 تحت مسمى مكافحة “التهديد الأصولي”.ثم امتدت بعد ذلك لتلتهم كل المعارضيين السياسيين بمن فيهم القوميين واليساريين والتحرريين والطلاب الناشطين. ثم جاء بعد ذلك دور المجتمع المدني. فبين الضم والحل لم تعد هناك اي جمعية مستقلة او نشطة لتطال النقابات ومنظمات حقوق الإنسان والجمعيات الثقافية والإجتماعية وحتى الرياضية. فاصبحت السجون التونسية منطقة التجمع الوحيدة للنشطاء.

لم يكن حظ الصحفيين بأفضل فلم تقدم اي دولة عربية على سجن عدد أكبر من الصحفيين كما فعلت تونس منذ العام 2000. فقد اعلنت لجنة الدفاع عن الصحفين ان النظام واحد من عشرة انظمة في العالم الأسواء عداوة للصحافة. وهذا ما عبرت عنه حقيفة ان الصور الوحيدة التي التقطت للإحتجاجات الجارية قد اخذت عن طريق كاميرات الهواتف المحمولة وبثت على شبكة الأنترنت حيث أنه لا يسمح لاي مراسل اجنبي دخول البلاد. ولا يوجد منافس لتونس في هذا الصدد سوى كوريا الشمالية.

ربما يكون بن علي قد جاء بالإستقرار المنشود من مؤيديه الأجانب ولكنه كان استقرار الموتى والقبور والمدافن.

ووسط حطام الحياة السياسية، فان جنرال تونس يتصارع مع ظاهرتين من صنعه. الأولى هو في ظهور الجماعات الفوضوية العنيفة المرتبطة بالقاعدة التي نشأت في الفراغ الذي اوجدته سياسته الإستئصالية. والثانية هي الغضب من الفساد المستشري والبطالة والقمع الذي تمارسه الحكومة الذي اندلع في الأسابيع القليلة الماضية.

ان الأحداث في تونس هي اعراض لما هو قادم مستقبلا. لقد سعى الحكام العرب جاهدين لقتل السياسة في جميع اشكالها. ولكنهم حين يفعلون ذلك مع الأحزاب الرئيسية المنظمة والجمعيات سيجدون انفسهم ، مثل بن علي ، وجها لوجه مع جيل جديد معبأ بمشاعر الإحباط والذل وتواقا للإنتقام. فعندما تُسد جميع منافذ التنقل والتعبير تصبح الإنفجارات والثورات السبيل الوحيد لهم.

الغارديان 4 يناير 2011
المقال بالانجليزية

 Posted by at 6:56 م

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)