يونيو 212007
 

يبدوا ان حلم تنظيم القاعدة في طريقه الى ان يصبح حقيقة. واخيرا وجد له موطئ قدم على الساحة الفلسطينية. فنحن نشهد عملية اختطاف الن جونستون المراسل في هيئة الإذاعة البريطانية والذي مر على اختطافه امس 100 يوم ومعارك حامية بين الجيش اللبناني وجيش فتح الإسلام الموالين لتنظيم القاعدة في مخيم نهر البارد للاجيئن في الشهر الماضي. وفي ظل المزيد من لإنزلاق نحو الفوضى في غزة والضفة الغربية والصراع الحاصي بين حماس وفتح بعد عام من الحصار القاسي فان هذا الوجود الجديد لا يمكنه الا ان يصبح اقوى.

ومنذ اعلان الجهاد في العام 1998 كان تنظيم القاعدة يطمح في الحصول على شرعية تمثيل القضية الفلسطينية مدركا تماما للأهمية الرمزية التي تتمتع بها في ضمير الجموع العربية والإسلامية. ومنذ نشوب الصراع العربي -الإسرائيلي في علم 1948 وقضية فلسطين تضفي الشرعية الضرورية على العديد من الحركات والإنظمة السياسية من القوميين الناصريين والبعثيين الى الليبراليين والإسلاميين. وهذه هي السلطة المعنوية التي منحت الرئيس الراحل ياسر عرفات المكانة التي كان يتمتع بها ليس فقط بين الفلسطينين ولكن في جميع انحاء العالم العربي وخارجه.

فلسطين هي المرآة التي ينعكس فيها المشهد السياسي العربي. ففتح كانت تعبر عن صعود اليسار والقومية وحماس تعكس التحول صوب الإسلام السياسي. وهذا هو بالضبط ما يحتم علينا عدم الاستخفاف بالأحداث في غزة ومخيمات اللاجئين الفلسطينين في لبنان اليوم. فهما دلالتي شؤم لما يمكن ان ينتظرنا. فعندما أصدر اسامة بن لادن ونائبه ايمن الظواهري تصريحيهما بشأن “الجهاد ضد اليهود والنصارى” في 28 شباط 1998 كانت ردود الأفعال على تصريحيهما تتراوح بين اللامبالاة والسخرية. لقد كانوا جماعة مغمورة ضائعة في إمارة طالبان البعيدة، بقايا مثيرة للشفقة من الحرب لقتال الإتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة. وكان دورهم بائد تاريخيا وخطابهم قديم.

ولكن الأمور مختلفة تماما الآن. فتنظيم القاعدة قد اصبح شبكة عالمية معقدة وواسعة وبناء مرن ولا مركزي يمكنه من الإنتشار في جميع الإتجاهات عبر العالم العربي وافريقيا واسيا واوروبا. فسواء كان يطارد خلايا نشطة او يبحث عن اخرى نائمة، فان الأمن العالمي اصبح مسكونا بشبح تنظيم القاعدة. وكالفقاعات فان تلك الخلايا لها حكمها الذاتي مترابطة مع بعضها البعض ليس بالتسلسل الهرمي ولا بسلسلة القيادة. فانها تتطلب فقط عددا قليلا من الأفراد الذين يؤيدون فكرها والأساليب الإرهابية لتنظيم القاعدة لتوسيع انتشارها في جزء جديد من العالم.

ومع تحول الشرق الأوسط من ازمة الى اخرى فان هذا التنظيم الصغير وجد نفسه ينتقل باعجوبة من المحيط الى المركز. وفي بيانه التأسيسي عرف تنظيم القاعدة مهمته على انها تهدف الى تطهير الجزيرة العربية من النفوذ الأمريكي “الجراد الذين يأكلون خيراتها ويمحون مزارعها” وتحرير الأرض الفلسطينية من الإحتلال الصهيوني. وبإحتلال العراق عام 2003 أصبح لتنظيم القاعدة موطئ قدم قوية في الشرق الأوسط وفرصة فريدة من نوعها لتطبيق مشروعها في “مقاومة اليهود والصليبين”.

ان اختراق المنظمة للسياسة الفلسطينية هي ذروة لعملية طويلة ولاتزال تنكشف. وتتوسع بسرعة من موقع لآخر وحاليا تضم فروعا في جميع انحاء المنطقة العربية. ولا تثير هذه التطورات القلق من وجهة نظر الحكومات الحاكمة وحلفاءهم الغربيين بل من وجهة نظر الحركات الإسلامية السائدة ايضا. حيث شهدت هزيمة القومية الناصرية في عام 1967 تحول هذه الحركات الى لاعبين نشطاء رئيسيين في الخريطة السياسية. فمطالب القوميين وطموحاتهم لتحرير فلسطين والإستقلال من الهيمنة الأجنبية وفرض السيادة على الموارد بدأ يعُبر عنها بلسان اسلامي في منطقة كانت فيها الحركات الإسلامية والقومية متشايكة دائما بشكل وثيق.

وفي ظل القيود المفروضة عليهم من قبل الحكومات المدعومة من الغرب وتبخر الوعود الأمريكية في الإصلاح وارساء اليمقراطية، وجد “الإسلام الديمقراطي” نفسه في قبضة الأزمة. والمستفيد الأكبر من هذا هو تنظيم القاعدة. فمعاركه في الشرق الأوسط تجري على جبهتين اثنتين: ضد الأنظمة الخائنة وداعميهم الغربيبن من جهة وضد معارضيهم من الإسلاميين المعروفين والذين يعتبرونهم ” منحرفين عن المسار الحقيقي للجهاد” من جهة اخرى. وفي حديث بُث مؤخرا على قناة الجزيرة انتقد الظواهري حماس لإنحرافها عن مسار المقاومة من خلال مشاركتها في العملية السياسية.

وتعطي الأحداث التي تجري على ارض الواقع المزيد من المصداقية لكلام الظواهري. فقد راقب العرب بفزع كيف يعاقب الشعب الفلسطيني بقسوة بالغة بسبب خياراته الإنتخابية ويعزل ويُجوع ويدفع به الى هاوية الصراعات الداخلية. والرسالة المنقولة من واشنطن ولندن هي: لاتكترثوا بصناديق الإقتراع فالتغير يمكن ان يحدث فقط من خلال التفجيرات واعمال العنف. فما بين الإحتلال وإعاقة التغيير السلمي فان الولايات المتحدة راحت تهيئ الجو المناسب لإزدهار تنظيم القاعدة والذي يمثل نتاج السياسية المريضة ووجهة النظر المشوهة عن المنطقة واحتياجاتها.

ولكن الشئ الوحيد الأكيد: ان الدخان الذي يتصاعد من مخيم نهر البار المدمر لن يكون الأخير الذي تشهده المنطقة والسنة اللهب سوف لن تتوقف عند حدود الشرق الأوسط او ان تلتهم شعوبه لوحدهم.

 

الغارديان 21 يونيو 2007

المقال بالانجليزية

 Posted by at 4:07 م

Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/soumayag/public_html/ar/wp-includes/class-wp-comment-query.php on line 399

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)