أبريل 302007
 

“الهوية هي وحدة الجوهر”هذا ما يخبرنا به ارسطو، ويعني بهذا ان الهوية حاصلة ودائمة وغير قابلة للتغيير. وإلى حد كبير، لا يزال هذا التعريف للهوية يحكم الضمير الأوربي. وهذا صحيح منذ القرن السابع عشر مع نهاية الحروب الدينية وبزوغ نظام الدولة الأوربي والعلمنة التدريجية للحكومة ونشوء الرأسمالية. فالى جانب هذا، كان هناك انهيار للأمبراطورية العثمانية والتطورات التكنلوجية الجديدة في مجال النقل البحري والأسلحة والتي مهدت الطريق للتوسع الخارجي والإستعمار والتي كانت تعني ان اوربا الصاعدة قد شرعت في السعي للتاكيد على تفردها ونقائها. فكان السوال التوجيهي في البحث عن الهوية هو: ما الذي تملكه اوربا بينما تفتقده الثقافات والدول الأخرى. ؟ وما هو مصدر تفردها وانتصارها على الأمم الأخرى؟

فالفلاسفة ورجال الين ورجال الدولة والرحالة والفنانيين والكُتاب قد تم تحشيدهم لتعريف اسرار هذا التفرد. فالبعض مثل كانت وهيغل ارجعوها الى المسيحية والتقاليد اليونانية الهيلينية. والبعض مثل مونتسيكيو (وبعد ذلك ماركس وانجلز) عزوها الى النظام الأوربي الإجتماعي السياسي. اما الأخرون مثل ويبر فقد اشاروا الى نظامها الإقتصادي. وبالنسبة للجميع فان اوربا كانت مركزا للعقل والنظام ومملكة للحرية والذاتية.

وبالرغم من ان “الروايات الكبرى” للحداثة قد ضُربت وبشدة بمطرقة ما بعد الحداثة وهاجمت ايمانها بالكونية والمسلمات وما وراء التاريخ والأبدي، فان هذه التصنيفات بقيت مركزية في تعريف الغرب لذاته. فلايزال يهيمن على خطابهم عن الهوية وبشكل كبير الإعتقاد بخصوصية قيمهم وتفوقها وعالميتها وما صرخة فوكوياما “نهاية التاريخ” الا مثال ذي صلة. فقد وصلت الإنسانية الى قمة تفوقها مع نموذج الحرية الأميركي. فهو التجسيد الأسمى للعقلانية لايقل عن كونه تجسيدا لروح التاريخ.

ومع ذلك فالحقيقة ان الهوية الموحدة المطلقة النقية التي بنتها اوربا لنفسها والغرب لاحقا بالإضافة الى التاريخ المصنع وتحولها من الإغريقة الى مسيحية العصور الوسطى الى الحداثة هو اكثر قليلا من الإسطورة والوهم. فـ “الغرب” كما يتصور نفسه هو كذبة هائلة. وعلى الرغم من ان التقاليد اليونانية الهيلينية والتقاليد المسيحية كانتا بلا شك في غاية الأهمية في بناء الغرب فكذلك كانت العناصر الأخرى التي سعت للإبتعاد عنها وتأكيد اختلافها.

وكان المسلمين في طليعة الأجداد المطرودين والأسلاف المنفيين. فهي الحلقة المفقودة في الرواية الذاتية الأوربية والتي تحتل الحيز الخيالي المفرغ والتي تحب ان تشير اليه بـ “العصور المظلمة”. فبكل المقاييس تستحق هذه الفترة من التاريخ الأوربي ان ترتبط بالظلام والإنحطاط والخرافات وموجات من الإضطهاد ونوبات من الطاعون. لكن التاريخ الأوربي هو ليس بتاريخ العالم. فكتبت المؤرخة زوي اولدنبورغ مقارنة بين اوربا وبغداد قائلة: “لم تكن باريس ومينز ولندن وميلان تشبه حتى المدن الرئيسية في المقاطعات الحديثة بالمقارنة مع العاصمة. فكانت افضل بقليل من القرى والبلدات الأفريقية.” لا تصمد هذه الفكرة في السياق الأوربي باكمله. فعندما كانت لندن اكثر بقليل من كونها مجموعة من الأكواخ بنيت على ضفاف النهر الموحلة كانت قرطبة وغرناطة واشبيلية على بعد بضع مئات الأميال منها مدن مزدهرة ونابضة بالحياة والتي قدمت للقارة اولى جامعاتها وشوارعها المضاءة وأرصفتها المعبدة ونظم الصرف الصحي وطواحين الهواء والحدائق العامة.

فالتصور المتوازن عن الهوية يعتمد الى حد كبير على القراءة المستفيضة للتاريخ تلك التي تتجنب الإختزال اوالسطحية اوالتفاخر او الذم. ونتيجة عملية المراجعة هذه تتمثل في الأعتراف بان ما هو مستوعب على أنه “الآخر” هو في الواقع متأصل في الذات. فبدون ما قدمته الحضارة الإسلامية في الفلسفة والفلك والرياضيات والفيزياء والفن والعمارة، لكانت اوروبا “الحديثة” شبه مستحيلة.

اوربا لا تستطيع مهما حاولت أن تطرد العامل الإسلامي من بنيتها الذاتية، فهي تبقى مأهولة ومسكونة به سواء من خلال التأثير الفكري والثقافي المباشر او من خلال الإنكار والرغبة في تشكل هوية والتي هي عبارة عن سلسلة من المتناقضات وضعت مقابل الإسلام الوهمي.

ولا يمكن لأوربا ان ترجع الى الجغرافية كأساس للتعريف الذاتي. ، فالحدود الجغرافية تتغيير باستمرار وفقا لموازنات القوى والسياسة وهي أبعد من ان تكون ثابتة.

فالى وقت قريب كانت اوربا الشرقية ينظر اليها على انها واقعة خارج الإطار الأوربي فقد شوهت ثقافتها بسبب المواجهة الطويلة مع العثمانيين والتجربة الإشتراكية الموجزة. واليوم، لا تزال الأسئلة فيما اذا كانت روسيا واوكرانيا وجورجيا وتركيا تقع خارج حدود اوربا او داخلها تثير جدلا حاميا.

معالم الهوية ليست محايدة اومعطاة مسبقا او طبيعية. فهي محاطة بإطار الثقافة والسياسة. فاوربا هي بنية ثقافية وسياسية. فلو لم تكن كذلك لتساءل القليل عن “اوربية” روسيا الأرثدوكسية الشيوعية سابقا او تركيا المسلمة العثمانية سابقا. ولو وصلت ثورة اوكرانيا البرتقالية الى النتيجة التي ترغب بها اوربا دون تدخل الثوار المضادين والمدعومين من قبل الكرملن لوجدت نفسها بعيدة بسنوات قليلة عن العضوية الكاملة في الإتحاد الأوربي.

ولكن المثال الأبرز في التحول في الهوية الأوربية في العقود القليلة الماضية كان بسبب الهجرة والتي جاءت باعراق واديان جديدة الى حضن اوربا.
فتفكيك الأمبراطوريات الحديثة والقيود الإقتصادية نقلت العلاقة بين العاصمة والمستَعمرة من الخارج الى الداخل. فالمستعَمرين بالأمس اصبحوا المهاجرين اليوم. فجعل الهنود والجزائريين ورعايا مستعمرات مغمورة من لندن وباريس اوطانا لهم. فمن كونهم دخلاء على اطراف الإمبراطورية في مستعمرات خارجية بعيدة تحولوا الى دخلاء على اطراف العواصم والمدن الصناعية. فالإسلام الغريب البعيد والذي صنعت اوربا هويتها في معارضته اصبح اليوم جزءا لا يتجزاء من حدودها الداخلية.

يجد العديد التغيرات هذه صعبة الإستيعاب. فالى حد كبير يفسر هذا القلق صعود اليمين المتطرف والشعور المتنامي بأزمات الهوية في بلدان مثل فرنسا ودول اخرى وسط وجنوب اوروبا. فلازلنا بحاجة الى الوقت حتى تتأقلم هذه البلدان مع التغير المتسارع قبل ان يتم الأعتراف بالإسلام والمسلمين كجزء من نسيج المجتمع الأوروبي وهويته. فبلا شك انه من الأسهل تقبل الكسكسي والكاري عن اولئك الذين جاءوا به مع مساجدهم وحجابهم ولحاهم ولكنها مسألة وقت ليس الا.

 

الغارديان 30 ابريل 2007

المقال بالانجليزية

 Posted by at 2:49 م

Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/soumayag/public_html/ar/wp-includes/class-wp-comment-query.php on line 399

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)