أغسطس 012008
 

يبدوا ان عمى الألوان لا يصيب المتدينين المتعصبين فقط . بل يطال العلمانيين المتشددين ايضا. فكلاهما غير قادر على التمييز بين النغمات والظلال والتفاصيل والفروق الدقيقة. ففي رؤيتهم المبسطة للعالم هناك قطع موحدة من الخير والشر والمحددة هنا بالمؤمنيين والكفار والملائكة والشياطين والجنة والنار وهناك بالعلم والخرافة والتنوير والظلام وعصر الحداثة والعصور الوسطى.

كتب نيتشة يصف هذا البلاء بان المصابين به يفتقرون للحس التاريخي الضروري الذي يمكنهم من التنقل خلال الظواهر الإجتماعية التاريخية المتاهية المعقدة. وبدل من ذلك فهم يعتمدون في تنقلهم على بوصلة صدئة من العقائد الجامدة والثوابت التي لا تتزعزع. قد تبدوا هذه مقنعة وحتى جذابة في المساحات الفلسفية المجردة . ولكن حينما تُبحث في وضح النهار وخارج الحدود الصغيرة الغامضة للحلقات الدينية والدوائر الفلسفية تبدوا ضحلة وخادعة وسخيفة الى حد ما.

يبدوا ان العديد من اعراض هذا المرض تظهر عل اي سي غرينلج. فهاجسه المذعور من الدين والمتدينين يعيد أصداء القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلاي. فالعلمانية المتشددة الواضحة في كتاباته ، مثل تلك التي كتبها ريتشار دوكنس وكرستوفر هيتشنز، تذكرنا بالأجنحة المتطرفة للثورة الفرنسية مثل جماعة الجبل (ذي ماونتن) التي لم ترى سوى معسكرات الظلام والنور او “نواب المهمة” للإتفاقية التي اوكلت اليها مهمة تطبيق “دين العقل” على انقاض المسيحية وتحويل الكاتدرائيات الى “معابد للعقل”.

وهذا النوع من العلمانية المتزمتة هو اكثربقليل من الدين المقلوب. فهو يستبدل العقل بالإله والعلم بعلم اللاهوت والتقدم المستمر بالخطيئة الأصلية وسقوط الإنسان. فاتباع هذا النوع من العلمانية يرون من العلمانية ليس مجرد عزل الدين عن السياسة او في حيادية الدولة تجاه الأمور المتعلقة بالدين والمعتقد. فبالنسبة لهم تعني العلمانية مجموعة من المعتقدات التي يتم احتضانها طوعا او فرضها قسرا بالقوة من قبل الدولة. ولذلك ينبغي تطهير المجال العام من كل الرموز والتعابير الدينية. ولا يمكن ترك الباب مفتوحا للجميع ليتفاعلوا فيها بحرية وبعفوية – المؤمنيين وغير المؤمنيين على حد سواء. كما لا يمكن ان تكون فضاءا شاملا يستوعب طرق الحياة المختلفة. ويجب فرض التجانس التام. وبالتالي يمكن شن الحروب المقدسة على الخيارات الشخصية جدا. فالتعصب يُفضي الى سيناريو مجنون تستخدم فيه سلطة الدولة والقضاء لمنع تلميذة مدرسة من ارتداء منديل الرأس البسيط.

لذلك ليس من المستغرب ان نرى غريلنج يقف الى جانب الجيش التركي في سعيه لاستخدام القضاء لفرض ارادته على المجتمع والساحة السياسية- حيث لم تعد الإنقلابات العسكرية خيارا سهلا. وفي مقالته على عمود حرية التعليق دافع عن محاولات نائب المدعي العام التركي لحل حزب العدالة والتنمية الحاكم بدعوة “تشجيعه لكثير من النساء على إخفاء… خصلات الشعر على راس الأنثى”. وهكذا يُترك المرء بإنطباع خاطئ ان التهديد المحدق على الديمقراطية في تركيا يأتي من الحكام المنتخبيين ديمقراطيا وليس من العلمانية السلطوية المدعمة من قبل مؤسسة عسكرية تسعى للبقاء فوق المُساءلة وفوق النظام السياسي. وتعطي نفسها، تحت اسم الإنتماء لفكر كمال اتاتورك، الحق الكامل لتحديد المقبول وغير المقبول: وما يمكن التفكير فيه وما لا يمكن، وما تقول وما لا تقول وما تلبس وما لا يجوز ان تلبس. فاولئك المكرسين انفسهم بحق للحريات المدنية والحريات الفردية يشيدون بتخفيف القانون القمعي الذي يُنكر على النساء حقوقهن الأساسية في اختيار ما يرتدين. فشعر المرأة ليس ساحة معركة تحسم عليه الخلافات الأيديولوجية.

وهذا التدخل القاسي الممارس تحت اسم العلمانية في تركيا وفرنسا وتحت اسم الدين في ايران والسعودية لا يمكن وصفه الا بالإستبداد. فعقول الأفراد واجسادهم ليست جزءا من اختصاص الدولة. فالدولة ما هي الا مديرة لشؤون المواطنيين العامة وليست القاضي على ضمائرهم ومظاهرهم وعاداتهم وما يفضلونه.

وعلى ما يبدو ان الشئ الذي لا يدركه العلمانيون المتشددون او انهم يختارون غض الطرف عنه هو انه لا يوجد شئ اسمه العلمانية بحد ذاتها او الدين بحد ذاته. فهناك اشكال متعددة للعلمانية – او تجارب علمانية حقيقية – وهناك العديد من الأديان والأشكال الدينية داخل الدين الواحد. فـ “العلمانية” و “الدين” بشكليهما المجرد لا وجود لهما خارج عقولهم. ففي الإسلام على سبيل المثال نجد ان هناك أتباع الطرق الصوفية الشعبية وهناك العقلانية لإبن رشد والمعتزالة والتقليدية المتمثلة في علماء الأزهر والإصلاحية التقليدية المتمثلة بمحمد عبدو، وبعيدا عن كونها تعابير مرسومة بشكل جامد فانها تتحرك وتتداخل وتتفاعل.

و التنوع نفسه ينطبق على العلمانية. فهناك العلمانية المحايدة الناعمة للولايات المتحدة والعلمانية البريطانية الأكثر غموضا وهي ليست كالعمانية الراديكالية المتشددة للإتحاد السوفييتي تحت حكم ستالين اوألبانيا تحت حكم انور خوجة أو تركيا الكمالية او العلمانية الفرنسية. فبعضها متسامح ومرن وواقعي؛ والبعض الأخر متعصب وانغلاقي وقمعي. ومن المحزن ان علمانية غريلنج التي تبدوا انها تتماشى بسهولة جنبا الى جنب مع الجنرالات والإنقلابات والمحاكم العسكرية، تنتمي الى الصنف الأول وليس الأخر.

الغارديان 1 أغسطس 2008
المقال بالانجليزية

 Posted by at 6:52 م

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)