يناير 102007
 

لو حصلت على بنس واحد في كل مرة يقال فيها لي ان الدين هو سبب كل المشاكل، لكنت الآن امرأة غنية. فلو توفر لنا فقط عالم مثل عالم جون لينون الخالي من الدين، فلن تكون هناك حرب اوصراع ولأحب الجميع جيرانهم. ولو كان علماء الدين ورجال الدين والملالي والكهنة فقط متفقين لتم حل مشاكل العالم بجرة قلم.

لذلك لم اكن مندهشة حين قرأت بان غالبية المستجيبين لإقتراع اي سي ام الأخير الذي أجرته الغارديان يقولون بان الدين قوة للأنقسام. وكانت النتيجة الحصيلة المتوقعة للإتجاه السائد في تبسيط كل من الدين والظواهر الإجتماعية السياسية. بلاشك ان الدين يلعب دورا في الكثير من الأزمات والصراعات المتأججة حولنا. وفي اكثر الأحيان، تأخذ هذه المشاكل اسم الدين وتتحدث من خلال وسيلة الدين بينما تكمن جذورها في العوامل الإجتماعية السياسية.

هناك امثلة موجودة في نزاع ايرلندة الشمالية كما هي في صراع الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن أطراف الصراع تنتمي صدفة الى طوائف دينية مختلفة، الكاثوليك والبروتستانت، اليهود والمسلمين/ المسيحيين، الا انهم لم يتقاتلوا بسبب انتماءاتهم الدينية. فمظالمهم هي سياسية بشكل جذري حتى لو كانت تخفي نفسها تحت ستار الدين وتتحدث بلغاتها. فالدين غالبا ما يكون المرآة التي تعكس التوترات الدنيوية. فالقول ان الدين يتسبب بالانقسام يعني عدم محاولة تحليل المشاكل القائمة.وتعني الوقوف عند السطح دون بذل الجهد للتعمق اكثر بالمشكلات الكامنة والمتأججة في الأسفل.

فلو اخذنا على سبيل المثال طقوس العربدة في سفك الدم الطائفي المستعرة في العراق حاليا. فالسنة والشيعة يقتل احدهما الآخر بالعشرات يوميا. فلا تغامر بالذهاب الى منطقة مأهولة بالسنة ان صدف وكان اسمك حسين ، ومن المحتمل ان تنتهي ذبيحا في بعض زوايا شارع ما إذا ما ضللت الطريق فجأة ووجدت نفسك في مدينة الصدر وكان اسمك عمر.

ولكن دعونا لا نتوقف عند هذا الحد، دعونا نسأل الأسئلة الصعبة التي يفضل الآخرون ان نتركها وشأنها. لماذا يقتل السني العراقي والشيعي العراقي احدهما الآخر اليوم بينما لم يفعلوا ذلك قبل اعوام قليلة؟ لماذا كانوا قادرين على التعايش من قبل، بينما يجدون ذلك مستحيلا اليوم؟ فكل قبيلة او عائلة عراقية تجمع كل من السني والشيعي. فقد اختلطوا وتزاوجوا وعاشوا ليس جنبا الى جنب فحسب بل تحت سقف واحد وغالبا ما يجمعهم سرير واحد. وكان هذا هو الحال حتى في عهد صام الإستبدادي. حينها وقبل ذلك، كان العراق ولعدة قرون واحدا من اكثر الأماكن في العالم تنوعا ، فسيفساء حقيقة للأيان والأعراق والمذاهب والطوائف، مسلميين ومسيحيين وصابئة ويزيديين وسنة وشيعة واكراد وتركمان كلهم يتقاسمون نفس المكان سلميا.

كان هذا عراق الأمس وليس عراق اليوم بعد الأحتلال الأمريكي البريطاني وسلطة بريمر الإنتقالية التي دمرت نظام العراق السياسي واستبدلته بواحد يرتكز على المذهبية والطائفية العرقية. فمزقت الهوية الوطنية شر تمزيق، ومُزق كل ما هو مشترك ولم تبقى سوى الإنتماءات ضيقة. وفي خضم الفوضى التي تلت ذلك، أرادت كل جماعة منشقة ان تستولي على كل شئ وتترك البقية دون شئ. وكان تشكيل قوات الأمن والشرطة في ظل العراق الجديد وعلى اسس طائفية كصب الزيت على النار، وتزويد فصيل واحد بالوسائل لتستخدم في وقت لاحق في سعيها للقضاء على خصومها.

ولم يكن محض صدفة أن سلم الأمريكان صدام الى عملائهم المجرمين المتعصبين للطائفة الشيعية لنتفيذ حكم الأعدام فيه عشية اقدس الأعياد عند المسلمين.بل كان خطوة شريرة اخرى مُخطط لها بدقة لتأجيج نيران النزاع الطائفي وتحويل الجميع ضد الجميع في عراق يتفكك بشكل سريع.

اللوم لا يقع عل التشيع او التسنن بل على بوش وبلير وبريمر.

لا اليهودية ولا المسيحية ولا الإسلام مسؤول عن صراع الشرق الأوسط. فالفلسطينيون والإسرائلييون يستدعون الرموز الدينية ومراجعها في تبريراتهم للصراع في مكان مثقل بالمعاني المقدسة لكلا الطرفيين. لكن الحقيقة ان الصراع ليس على مسجد او كنيسة او معبد بالرغم من انه بات يرمز اليها بمثل تلك المعالم. اولا وقبل كل شئ، الصراع على الأرض وانتزاع الملكية والإستيطان والإحتلال وإرادة التحرر. فالعلاقة هي بين المحتل والواقع تحت الإحتلال اكثر من انها بين اليهودي والمسلم/المسيحي. فوعد بلفور واستراتيجيات القوى العظمى هي المسؤولة عن خلق هذه المأساة الطويلة والمؤلمة وإملاء مسارها أكثر من القران او العهد القديم .

وهناك العديد من الأمثلة التي يمكن ان تُذكر فيما يتعلق بالتفسيرات السطحية للظواهر والحركات السياسية الإجتماعية بالمصطلحات الدينية حصريا، فمن حركة الإصلاح الأوروبي في القرن السادس عشر الى التطرف الإسلامي في القرن العشرين. فالدين ليس اساس كل فضيلة ولا سبب كل الشر. فالظروف الجيدة تولد دينا جيدا والظروف السيئة تولد ينا سيئا. فشرور الواقع عادة ما تتحول الى دين شرير.

ان البشر والمجتمعات ليسوا بصفحات فارغة، بل هم حملة ميراث ثقافي غزير ورمزي وتأريخي ومن خلاله يتواصلون ويفهمون الواقع. وان هذا المخزون المتجذر للقيم والصور والمراجع لابد ان يشار اليه لا محالة في السلم كما في الحرب ووالأكثر في الحرب واوقات الفوضى. وتتيقظ الهويات الثقافية والدينية والوطنية وسط التوتر ويتم تفعيلها وتكثيفها. ولا يعني هذا القول، كما فعل ماركس، ان الدين وهم لا ضرورة له. بل هو جزء لا يتجزأ من الذاكرة والوعي الكلي للجماعات والأفراد. ومن خلاله يعطون معنى لتجاربهم وتبريرأ لأفعالهم. فهو يعمل بهدوء ومن ان يلاحظه احد في حالة الأستقرار والهدوء ويصبح اكثر صخبا ووضوحا واحيانا اكثر قابلية للإنفجار في الأزمات والإضطرابات. ليس هناك دين مسالم بطبيعته أودين عدواني بطبيعته. فلو اخذنا الديانة المسيحية على سبيل المثال، فقد اوحت بالزهد والاهتمام بالأخرة كما أججت نيران الصراع والإنقسام في القرن السادس عشر والحروب الدينية كما في الحروب الصليبية. فليس هناك مجرد دين.

وباختصار، سنفعل حسنا اذ تجنبنا النظر الى الواقع من خلال منظور الأفكار والمذاهب. فالبشر ، كما ترى ،يمشون على ارجلهم وليس على رؤوسهم.

 

الغارديان 10 يناير 2007

المقال بالانجليزية

 Posted by at 2:30 م

Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/soumayag/public_html/ar/wp-includes/class-wp-comment-query.php on line 399

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)