أكتوبر 122007
 

في يوم أحد دافئ قبل بضع سنوات ذهبت مع مجموعتي الكشافة ضد الحرب على العراق بعد فترة قصيرة من لقاءنا الإسبوعي. والتحقنا مرتدين زي الكشافة بمئات من المتظاهرين الملوحين بالأعلام واللافتات والمصفرين ومرددين شعارات مناهضة للحرب على إيقاع الطبول. وبينما نحن مستمتعين بالأجواء الشبيهة بالإحتفال شاهدت مصورا يجوب الحشد وممسكا بكاميرة كبيرة. وكان يمشي عابرا صفوف المتظاهرين الواحد تلو الأخر حتى وقف حيث نحن وصوب عدسة كاميرته. ولكن هدفه لم يكن زي الكشافة الرسمي ولافتاتهم الحلوة الملونة والتي صنعوها بأيديهم بل لشخصيتين تقفان قريبا موشحتان بالسواد من قمة الرأس وحتى اخمص القدم ولم تظهرا سوى عينيهما وجبهتيهما مغطيتان بعصابة مكتوب عليها “الجهاد الآن”.

فمن بين المئات الحاضرة على الساحة كانت هاتان الشخصيتان صاحبتا المظهر المخيف هما اللتان تجذبان اهتمام عدسة المصور.وهذه الحادثة الصغيرة هي ليست فريدة ولا معزولة. هي في الحقيقة تجسد النهج الذي تسير علية قطاعات كبيرة من وسائل الإعلام في هذا البلد والبلدان الأخرى في القضايا المتعلقة بالمسلمين. لقد انحسر العالم الإسلامي الممتد لأكثر من 12 مليون ميل مربع و1.5 مليار نسمة الى مجرد غوغاء صارخة ونساء معنفات وبنات محبوسات ورجال دين يزبدون مهددين للغرب بالموت والدمار. صور كهذه غالبا ما تكون مزعجة ومخيفة ومثيرة للإشمئزاز فلو لم اكن اعرف ما يكفي عن هذا الموضوع وتعقيداته ليمكنني من الشك في الرسائل المنقولة لكنت تبرأت من الإسلام والمسلمين منذ زمن بعيد ورغبت ان لا يكون لي اي صلة تتعلق باي منهما.

وقد يجادل البعض قائلين بان وسائل الإعلام لم تخلق هذه الصور المروعة والبغيضة بل تنقل تقارير عن اشياء موجودة بالفعل وحسب. ومع ذلك فان الأشياء ليست بهذه البساطة. فالكاميرة ليست حيادية وبريئة ولا موضوعية ونزيهة. بل تخضع لمجموعة من الخيارات والحسابات المعدة سلفا التي تحدد ما نراه وما لا نراه وما نعرفه وما لا نعرفه وكيف نرى ونعلم. فالإعلام ليس مرآة تعكس ما موجود هناك. فدورها ليس بنقل بسيط وسلبي بل تصنيع وتشكيل وخلق حيوي من خلال عملية مطولة من الإختيار والتمحيص والتأويل والتحرير. وعلينا ان نتذكر ان الأيادي الخفية التي تمسك بزمام وسائلنا الأعلامية – شركات الأخبار العملاقة واصحابها- ليست جمعيات خيرية حميدة تعمل بدافع حب الإنسانية.

فمن بين 57 دولة في الرقعة الجغرافية والثقافية المعروفة باسم العالم الإسلامي نجد البعض من تلك الدول ما هو غني والبعض فقير والبعض يحكمه النظام الملكي والبعض النظام الجمهوري والبعض محافظا والبعض “تقدميا” والبعض مستقرا والبعض اقل استقرارا والبعض تحكمه النساء والبعض الأخر ينكر عليهن حتى حقهن في التصويت والبعض ترأس فيه النساء الكليات والجامعات ومؤسسات الأبحاث والبعض لا يسمح لهن حتى بالذهاب الى المدارس الإبتدائية والبعض يضطهد الناس باسم الدين والبعض باسم العلمانية والبعض يحضر على النساء الحجاب الإسلامي بالقوة والبعض يفرضه عليهن بالقوة…

ولكن هذا الفسيفساء المتنوعة واللافتة للنظر تغيب عن التغطية الرئيسية للموضوع. فما تبقى لنا سوى كتلة من النقص المتماثل والفوضى والركود والعنف والتعصب. فالعالم الإسلامي يتحول الى كائن صامت لا يتكلم بل هناك من يتحدث عنه وهي الخلفية المجهولة التي يقف عليها المراسلون المرسلون من العواصم. فالمراسل او المراسلة يمثلون عامل من عوامل الفهم والقادرون على حل رموز هذا الكائن الغريب والغامض وكشف اسراره لنا وهم من يعطوه المعنى والحقيقة والنظام.

ولا تظهر الرغبة في التسطيح والإختزال في التقارير عن اي مكان في العالم أكثر مما تجدها في تقارير الصراعات الجارية في الشرق الأوسط. ويخصص للمشاهدين بضع دقائق يتم من خلالها مشاهدة وسماع وصفا للدمار والفوضى والدخان والسيارات المحترقة والأجساد المحروقة والأطراف المقطعة ومناظر الدم، وبدون اي محاولة لتفسير الأسباب الكامنة وراء الأزمات ذات العلاقة وتواريخها فان التقارير تزيد من تعقيد سوء الفهم القائم ليس الا. والإلتباس الحاصل يصل الى درجة انه غالبا ما يتم عكس الأدوار ويظن خطأ ان الضحية هي الجلاد.

وهذا ما اكدته عدد من الدراسات كتلك التي اجراها غريغ فيلو ومايك بيري من مجموعة جامعة غلاسكو حيث رصدا ساعات من تغطية الـ بي بي سي والـ اي تي لأحداث الإنتفاضة الفلسطينية عام 2002 ودرسا 200 برنامج اخباري واجريا مقابلات مع ما يزيد على الـ 800 شخص سائلين عن تصوراتهم ازاء الصراع. وقد واجه الباحثين مستوى خطير من الجهل والخلط بين المشاهدين الذي يعرف 9% منهم فقط ان “الأراضي المحتلة” هي التي تم احتلالها من قبل اسرائيل بينما الغالبية تعتقد ان الفلسطينين هم المحتلون.

وليس هذا من المستغرب في ظل التغطية غير المتوازنة وميلها لحجب الحقائق المركزية: فهي لا تخبرنا بانه تم تدمير اكثر من 418 قرية فلسطينية عام 1948 اوان مئات الألاف تم تهجيرهم منها اوان اسرائيل أنشئت الى حد كبير بالقوة على 78% من فلسطين التاريخية اوانه منذ عام 1967 واسرائيل احتلت بصورة غير شرعية لـ 22% من الأراضي المتبقية وتفرض اشكال مختلفة من الحكم العسكري او ان غالبية الفلسطينين – مايزيد على 8 مليون- يعيشون كلاجئين اليوم.

اما التقارير الخاصة بالحرب على العراق فليست بالأفضل. فهي تعطي المشاهد انطباعا بان الشرور التي يعاني منها البلد متأصلة بتعطش شعبها للدماء وحبهم في تشويه الذات حيث تتنافس طائفة ما او عرق ما من اجل تدمير الآخر. وبرز الأمريكان كوسطاء حميدين يتمثل دورهم في فرض النظام ومنع الجماعات المختلفة من إبادة بعضها البعض.

فاسباب إراقة الدماء الجارية قد تم تجاهلها الى حد كبير اي تم جاهل نشر جيش قوي مكون من 150,000 جندي لغزو بلد تبعد عنه مئات الأميال وتحطيم بنيته التحتية وهدم منهجي لذاكرته الوطنية الجمعية وانتهاك موروثه الثقافي واقامة نظام سياسي مبني على العرقية والطائفية وحل جيشه تحت اسم “اجتثاث البعث” وتسليح فصيل واحد ضد الأخر بدأ بتسليح البيشمركة الكردي ثم المليشيات الشيعية تحت مسمى “مواجهة المثلث السني” واليوم جاء دور تسليح قبائل الأنبار السنية تحت ذريعة مكافحة تنظيم القاعدة. فبعد ان تم تمزيق النسيج الإجتماعي العراقي الى اجزاء تتحدث اميركا اليوم عن تقسيم العراق الى ثلاث ولايات تحت راية الفيدرالية.

فما تنقله وسائل الإعلام من تقارير لا تخبرنا ان العراقيين يعانون اليوم ليسوا لانهم عرب او مسلمون او ذوي سحنة سمراء او لانهم اتباع ثقافة دينية “عنيفة بطبعها” بل لانهم ضحايا لعبة قوى معدومة القلب تنظر اليهم على انهم مخلوقات افضل من الحشرات بقليل ولا قيمة لهم فتدوس عليهم دون عناء احصاء عدد القتلى.

تخيل لو حاكما ما قرر ان يغزو الجزر البريطانية تحت ذريعة تغيير نظامها الملكي القديم الذي تترأسه ملكة مرفوضة باعتبارها تمثل بقايا نظام اقطاعي من العصور الوسطى يتعارض مع “قيم نظامنا الجمهوري الحديث”. وتخيل لو انه سار بجيوشه واساطيله الحربية ليحتل البلد واقام “المنطقة الخضراء” في وسط ويستمنستر واقام نظاما سياسيا مفرقا بين الإنجليز والإسكتلنديين والويلزيين والإيرلنديين والبروتستانت والكاثوليك واليهود والأقليات الدينية الأخرى. فهل سيكون حال بريطانيا افضل من حال العراق؟ وهل سيتم المحافظة على “قيمها الديمقراطية العظيمة” و “دين المحبة” السامي؟

المشكلة تكمن في ان وسائلنا الإعلامية غير المسؤلة لا تشوه مفهومنا حول دين غريب او شعوب بعيدة او أزمات وصراعات بعيدة. بل هي تتلاعب بتهور في نسيج مجتمعاتنا وتقيم في وسطنا الجدران العالية من الجهل والخوف والكراهية في عالم تتداخل فيه الحدود الثقافية والسياسية وحدود الهوية.

 

الغارديان 12 أكتوبر 2007

المقال بالانجليزية

 Posted by at 4:40 م

Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/soumayag/public_html/ar/wp-includes/class-wp-comment-query.php on line 399

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)