مارس 112011
 

لا تتوافق صورة السيدة سعيدة سعدوني مع الصورة التقليدية للمرأة العربية الثائرة. ولكن هذه المرأة التي تبلغ من العمر 77 عاما قد عسكرت امام مقر رئيس الوزراء ولأكثر من اسبوعيين في برد تونس القارس لتقود اعتصام تاريخي في حي القصبة والذي نجح في اجبار حكومة محمد الغنوشي المؤقتة على التنحي. وقالت للألاف من المعتصمين الأخرين الذين انضموا اليها: “لقد قاومت الإحتلال الفرنسي. وقاومت الديكتاتورية في عهد بورقيبة وبن علي. ولن استريح حتى تحقق ثورتنا اهدافها.” ويشار اليها اليوم على انها أم الثورة التونسية وعلى نطاق واسع كما انها تمثل تسجيلا حيا لتاريخ البلاد الحديث ونضاله من اجل التحرر.

وتعتبر سعدوني واحدة من النساء العربيات من الأجيال القديمة اللواتي شاركن في ثورات بلادهن بعد عقود من النشاط السياسي. ولكن معظم الناشطات السياسيات اليوم تتراوح اعمارهن بين العشرينيات والثلاثينيات والمسيسات الى حد كبير ولكنهن مع ذلك غير منتميات الى تنظيمات حزبية- نساء شابات مثل اسماء محفوظ من حركة 6 ابريل المصرية. لقد كانت اهتمامات هذه الفتاة البالغة من العمر 26 عاما الى وقت قريب عادية لا تختلف عن اهتمامات اي بنت في سنها. وبينما كانت تتصفح شبكة الأنترنت عام 2008عثرت على دعوات للإضراب العام للمطالبة بإنهاء الفساد الحكومي. وكان هذا هو اللقاء الأول مع الإحتجاج “الذي كان العلامة على بداية فصل جديد في حياتها” حسب ما تقول. ومنذ ذلك الحين اصبحت من الناشطين المتحمسين للتغيير والإنضمام للنضال الذي بلغ ذروته بالإطاحة بالرئيس مبارك.

وحتى في اليمن ذلك البلد المحافظ جدا قادت المظاهرات ضد الرئيس علي عبدالله صالح امرأة شابة كاريزمية هي توكل كرمان. فقد كانت تنشط منذ عام 2007 مطالبة بالإصلاح السياسي. وعندما اعتقلت في كانون الثاني اضطرت السلطات لاطلاق سراحها بعد موجة من الإحتجاجات الغاضبة في صنعاء. فما الهم اولئك النسوة ودفع بهن الى وسط الإحتجاجات هو حالة التوق الى التغيير والحرية السياسية التي تجتاح المنطقة ككل.

ان الثورات العربية لم تهز هيكل الإستبداد في الصميم فحسب بل بددت العديد من الخرافات التي دامت عقودا طويلة. وابرز هذه هو التصور بان المرأة العربية ضعيفة ومقهورة محبوسة في قفص الصمت والخفاء من قبل مجتمعها السجان. فليست هذه هي نوعية النساء اللاتي ظهرن في تونس ومصر في الأسابيع القليلة الماضية.

فلم تشارك النساء في الحركات الإحتجاجية التي تدور رحاها في تلك البلدان وحسب بل اخذن على عاتقهن الأدوار القيادية هناك. فساحات المعارك الحقيقية والأفتراضية كانت حاضنات لقيادات نسوية. لقد اثبتت النساء العربيات انفسهن من خلال العمل المتواصل على ارض الواقع وليس في جدالات لا نهاية لها خلف الأبواب المغلقة.

لقد اتسمت هذه الثورات بالسياسة المفتوحة في الشوارع ومن خلاله تم اختبار القادة وانضاجهم والموافقة عليهم. لقد نمت هذه الحركات ذاتيا ومن الأسفل غير مقيدة بهرمية الحزب او العمر او الادوار التقليدية لكل من الجنسين التي عفى عليها الزمن. فالبرلمانات المفتوحة في القصبة وساحة التحرير – حيث يجتمع الناس ويتواصلون ويعبرون عن افكارهم السياسية بحرية- قد قربت الجميع بعضهم من بعض وعززت الهوية الجمعية فوق الإنقسامات الطبقية والدينية والأيديولوجية والطائفية والجنسية.

والصورة النمطية الأخرى التي تم تفكيكها هي ربط الحجاب الإسلامي بالسلبية والإستكانة والعزلة. ومع أنه قد يبدو مستغربا إلا أن العديد من النساء الناشطات اخترن ارتداء الحجاب . ومع ذلك لم يكن اقل ثقة او تعبيرا أو كاريزمية من اخواتهن غير المرتديات للحجاب.

هذا النموذج الجديد من القيادات النسوية محلية النشأة يمثل تحديا لروايتين. اولهما – والسائدة بين الدوائر الإسلامية المحافظة – تحكم على المرأة بحياة تنحصر في انجاب الأطفال وتنشئتهم حيث تعيش في حدود بيتها الضيقة وتحت رحمة الأب والأخوة والزوج. وهذه تدور حول مفاهيم تتعلق بالنقاء الجنسي وشرف العائلة وتحتكم الى التقاليد والتفسيرات الأخنزالية للدين لتبريرها.

والأخرى التي يتبناها المحافظين الجدد الأوربيون والأمريكيون الذين ينظرون الى النساء العربيات والمسلمات من خلال المنظور الضيق لنموذج طالبان: كائنات بأئسة تستحق الشفقة وبحاجة لتدخلهم الخير فكريا وسياسيا وحتى عسكريا- كي يتحررن من قفص الحجاب المظلم الى الحديقة الموعودة للتنوير والتقدم.

ان النساء العربيات يثرن ضد كلتا الروايتين. فهن يرفضن ان يعاملن بإزدراء ويحبسن في العزلة او ان يأخذن من أيديهن كالطفل ويقدن على طريق التحرر. فهن من يتولى مسؤولية مصايرهن وعزمن على تحرير انفسهن كما حررن مجتمعاتهن من الديكتاتورية. فالتحرر الذي يصنعن بإيديهن هو تحرر حقيقي يحدد وفقا لإحتياجاتهن واختياراتهن واولوياتهن.

هناك مقاومة وسيكون هناك مقاومة لعملية التحرر هذه والهجمات الأخيرة على المحتجات في ساحة التحرير خير مؤشر على ذلك. لكن الديناميكية التي اطلقتها الثورة لا رجعة فيها. فاولئك اللاتي ناضلن من اجل تفكيك الأنظمة القديمة سيبقين بلا شك في الطليعة لبناء نظام جديد على انقاضه. فساحة التحرير وساحة القصبة ستبقيا جزءا لا يتجزء من نفسية النساء العربيات كما انهما اعطيتا صوتا لتطلعاتهن الصامتة لزمن طويل من اجل التحرر.

الغارديان 11 مارس 2011

المقال بالإنجليزية

 Posted by at 7:04 م

Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/soumayag/public_html/ar/wp-includes/class-wp-comment-query.php on line 399

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)