فبراير 162011
 

اينما ذهبت في تونس فانك سترى الناس يتظاهرون- فهم يتظاهرون في المطار وامام مكتب البريد والمدارس والوزارات: ببساطة التظاهرات في كل مكان.  فاصبحت الإحتجاجات والإعتصامات سمة الحياة اليومية.  فالناس يجلسون في المقاهي ويتجاذبون اطراف الحديث جنبا الى جنب مع المتظاهرين المرددين لشعارات التغيير.  وحتى الأطفال الصغار تحولوا الى محلليين سياسيين ويمكنك سماعهم وهم يسخرون من خطابات بن علي الديكتاتور المخلوع. لقد شاهدت تظاهرة تنقسم بهدوء الى نصفين كي تسمح للترام ان يمر ثم تعود لتلتحم فورا بعد مروره.  ويبدوا ان التونسيين قد عثروا على القوة السحرية في احتجاج الشارع وغير مستعدين للتخلي عنها.

فبعد ثلاثة عقود من الصمت والرقابة الذاتية والقمع كان هناك انفجار من المطالب الإجتماعية من جميع القطاعات.  حتى ضباط الشرطة قاموا بمسيرة للمطالبة بتشكيل نقابة تدافع عن حقوقهم.  لقد تمت محاصرة حكام تونس الجدد بمطالب لا تنتهي والتي لا يمكن تلبيتها ولا رفضها علنا.  واصبحت الكلمة الفرنسية ديغيج (ارحل) – والتي استخدمت اول مرة من قبل الحشود التي حاصرت وزارة الداخلية في 14 كانون الثاني- تستخدم كي تضفي العلامة التي تميز هذا العهد الجديد.  فهم يلوحون بها ضد كل ما هو مرتبط بحكم بن علي- الشخصيات السياسية ومدراء الشركات التابعة للقطاع العام والخاص وكبار موظفي الدولة والمسؤلين الأمنيين- مولدة بذلك مناخ من التوتر المستمر والإستياء في مجتمع مسكون باحتمال العودة الى الإستبداد.  ان الطبيعة السلمية لهذه الحركة الإحتجاجية المتواصلة قد ضمنت بقاء البلد مستقرا نوعا ما في ظل الظروف الشديدة التقلب.

فتونس ما بعد بن علي يتم تشكيلها من قبل حركتين دينامكيتين متضاربتين وهما: التغيير والإحتواء.  الأولى هي حركة الشارع- التي تغذيها مطالب الشباب والمعارضة غير المنظمة.  والثانية تنبع من المؤسسة السياسية والتي تمتلك إدارة الدولة والجهاز الأمني والمال الى جانبهم.  ويمكن تعريف تونس الوقت الحاضر بهذين  المنطقين المستقطبين.

بعد فترة وجيزة من سقوط بن علي توجه اللآف من الرجال والنساء الغاضبين من استمرار النظام القديم بعضهم سيرا على الأقدام لمئات من الأميال من مدن الجنوب والمدن الداخلية المهمشة فيما وصفوه بـ “قافلة الحرية”.  وحاصروا مكتب رئيس الوزراء محمد الغنوشي في حي القصبة في العاصمة ونظموا اعتصاما مفتوحا للمطالبة بالإطاحة بالحكومة المؤقتة التي رفضوها باعتبارها من بقايا نظام بن علي الديكتاتوري.  ومع انشغال العالم بما يحدث في القاهرة فان احتجاجهم الذي استمر لأكثر من اسبوع قد تم تفريقه بوحشية من قبل الشرطة متسببين بالعديد من الإصابات الخطيرة.  واضطرت ادارة محمد غنوشي في اعقاب الإستنكار العام لما حذث الى اجراء سلسلة من التنازلات غير المرغوب فيها حيث بدات بإقالة وزراء ينتمون لحزب التجمع الدستوري الذي ينتمي اليه بن علي وبلغت ذروتها  بتعليق الحزب بالكامل.

في الإسبوع الماضي تم تعيين خمسة وعشرين محافظا – تسعة عشر منهم اعضاء في حزب التجمع الدستوري اليمقراطي- ولكن اضطر معظمهم للتخلي عن مناصبهم بسبب الإحتجاجات التي حدثت في جميع انحاء مدن الجمهورية (بضمنها القفصة وقابس في الجنوب ونابل وسوسة في الشمال).  وقبل ايام قليلة انعقد البرلمان على عجل لمنح الرئيس المؤقت – الذي عمل تحت رئاسة كل من بن علي وسلفه- السلطة لإصدار المراسيم دون التشاور مع السلطة التشريعية.  وقد أثارت مثل هذه التحركات الدعوات لحل الحكومة واستبدالها بمجلس تأسيسي يشرف على الإنتقال للديمقراطية.  لذلك فان الصراع بين النظام القديم المجروح والذي يناضل من اجل بقاءه ونظام جديد يتشكل بشكل مؤلم ومضني تحت الضغط الشعبي هو قصة ما يحدث في تونس اليوم.

ان هذه التطورات هي بمثابة مؤشرات هامة لما يمكن ان يحدث في مصر الدولة الشقيقة ذات الوزن الثقيل في المنطقة بعد رحيل مبارك.  كما ان سياسة الإحتواء التي تم اتباعها في تونس هي قيد التنفيذ في مصر.  فهناك ارادة عنيدة داخليا وخارجيا لإنقاذ النظام الذي فشل في الحفاظ على رأسه.  وهذا هو ما عناه باراك اوباما بالضبط حينما تحدث عن “التغيير المقنن” وما قصده كاميرون حينما تحدث عن ” الإنتقال المنظم”.  فالولايات المتحدة تسعى لتجنب اخطاءعام 1979- عندما وضعت نفسها في موضع المواجهة مع الجماهير الإيرانية- بإستخدام لغة غير استفزازية ومتحفظة على غير العادة.  ولكن ما وراء الخطاب اصرت استراتيجيتها على تفريغ حركة التغيير من محتواها وتقييدها بدلا من ذلك من اجل اعادة ترتيب مراكز القوى القائمة.

ومع ذلك فقد يتبين أن الواقع اكثر تعقيدا من أن يسمح لهذه الاستراتيجية بالنجاح. فقد تجد الولايات المتحدة نفسها غير قادرة على السيطرة على ايقاع واتجاه الأحداث الجارية على ارض الواقع.  فكما ان حركة الإحتجاجات التونسية لم تنته بسقوط بن علي فان الملايين التي ملأت ساحة التحرير لأكثر من اسبوعيين من غير المحتمل ان تعتبر ان مهمتها انتهت برحيل مبارك.  فالقوى التي اطلقتها الثورة سوف لن تتلاشى الى الخلف بين عشية وضحاها- ولكنها ستحتل مركز الصدارة في سياسة مصر كما هو الحال في تونس في المستقبل القريب.

ارتكزت محاولات احتواء الأحداث في هذه البلدان على امل ان ما يجري ليس الا موجة غضب عابرة ستزول برحيل كلا من زين العابدبن ومبارك.  ومع ذلك فان الحقيقة ان ما يجري ما هو الا ثورات ناشئة من اعماق المجتمع: زلازل سياسية ستغير المنطقة باكملها. فما نشهده ليس اقل من ولادة شرق اوسط جديد.

الغاردين ، الأربعاء 16 شباط 2011

المقال بالانجليزية

 Posted by at 8:22 م

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)