نوفمبر 102006
 

كنت قد نويت على ان استمر بالكتابة هذا الإسبوع في موضوع مخاطر اشكال معينة من العلمانية ، خاصة انها اثارت سيل من التعليقات ويبدو أن بعضا منها أخطأ فهم فكرة المقالة تماما. ولكن وأنا أجلس على مكتبي فإن افكاري مشغولة بموضوع مختلف تماما.

فمهما أفعل هذه الأيام ، يبو انني غير قادرة على التخلص من مشاهد النساء العزل وهن يواجهن الجيش الإسرائيلي في بلدة بيت حانون الفلسطينية المحتلة. لا اعرف مالذي يأسرني فيما يخصهم ويبقي صورهم محفورة في ذاكرني. ربما فكرة ان تتحدى النساء العزل جنود رابع اكبر جيش في العالم او ربما القوة الجماعية الرائعة التي تنضح من تلك النساء اواختلال التوازن لوضعهن. فالبرغم من ان الجنود كانت لهم اليد العليا في المقاييس المادية مع كل دروعهم المتطورة واسلحتهم الفتاكة الا ان النساء هم من ربح من الناحية الأخلاقية.

لقد تعودنا االقراءة عن المرأة المسلمة البائسة التي تعيش في مجتمعات تسحق ارادتها وتددوس على حقوقها وتجردها من حريتها. كل يوم تنضم اصوات جديدة لانفسها في رثاء متواصل راجية الغرب ان يتدخل لتحرير “العذراوات الأسيرات” من قبضة الإسلام. ولكن هذه الأصوات تبقى صامتة امام منظر المرأة وهي تُسحق تحت الدبابات في بغداد اوالتي تموت عند حواجز قلنديا او التي تُدفن تحت انقاض ملجأ في قانا. فلا شأن لهم بامرأة قتلت بالرصاص من قبل جندي اذا حدث ان وجدت نفسها في فلسطين او العراق او لبنان. فهي ببساطة لا تمت بصلة لـ “اجندة التحرر”.

قد تكون صور نساء جنين او الفلوجة او صور ليست جذابة كفاية بالنسبة لهم، ولذلك فصورهم لن تزين الصفحات الأولى للصحف والمجلات بعكس فتيات “ثورة الآرز” المشاد بها حيث يرتدين الجينز الضيق المصمم والنظارات الشمسية وتصفيفات الشعر المكلفة. كان مثيرا للإهتمام ان نسمع تقرير الصحفيين عن احتجاج في بيت حانون حيث قتلت امرأتين بدم بارد وجرح العديد. ولكن مع كل الحديث عن “الجلابيات” و”العباءات” و “الأوشحة” قد يظن القارئ ان الصحفيين يعلقون على عرض ازياء كما لو ان النساء تحدين حظر التجوال من اجل استعراض ازياءهن فقط. ومع كل التركيز على لباس تلكم النساء، أكد الصحفيون على اختلافهن و قاموا بتجريدهن من انسانيتهن والتعتيم على انوثتهن والتقليل من شانهن الى مجرد قطعة قماش. كما لو ان ما ترتديه النساء قد قدم قدرا من التبرير لجرائم الجنود ضدهن.

“لا تكوني ضحية اذا كنا لا نرى في صورتك انفسنا ولكن عالما بعيدا وغريبا لا نفهمه ولا نرغب ان نفهمه”.

ان المحاربين من اجل تحرير المرأة يقفون مذهولين امام حقيقة ان الظالم هذه المرة ليس الجاني التقليدي: الطاغية في قصص الف ليلة وليلة والقصص العربية القديمة بل جيش الإحتلال بكامله بجنوده واسلحته ودباباته ومروحياته. نحن امام حالتين تجردان خطاب تحرير المرأة المسلمة من اية مصداقية. اولهما تتعلق بصديقتي عضوة البرلمان التركي مروة قاوقجي المحاضرة الجامعية التي انتخبت للبرلمان التركي 18 نيسان 1999. فعندما دخلت البرلمان لأداء القسم في الثاني من أيار دخلت الى عاصفة في البرلمان وهي تواجه سخرية المئات من الرجال المطالبين بطردها. لم تطرد قاوقجي من البرلمان فقط بل جردت من جنسيتها التركية كل ذلك بسبب انها اختارت ان ترتدي الحجاب. فهي واحدة من الآف النساء من خريجات الجامعات والطبيبات والمهندسات والمدرسات اللواتي حرمن من حقوقهن المدنية والسياسة لمجرد انهن اخترن زيا معينا لا توافق عليه حكومتهن.

والأخرى جميلة الشنطي والتي انتُخبت كعضوة للمجلس التشريعي الفلسطيني وروت قصتها المؤثرة في صحيفة الغارديان أمس معطية لمحة صغيرة للماسأة التي تعيشها كامرأة تحت سلطة الإحتلال. فقد قصف منزلها وقُتل وجُرح العديد من اصدقائها واقربائها وكما قالت هي نفسها، “انتظر ان اسمع شجبا غربيا بانني انا العضوة المنتخبة للبرلمان قد تعرض بيتي للقصف وقٌتل اقاربي بالقنابل الإسرائيلية. لم نسمع كلمة واحدة من اولئك الذين يدعون بانهم المافعون عن حقوق المرأة في الكابتل هيل و10 داوننج ستريت عندما مزقت اجساد اصدقائي وزملائي.”

فخطأ كل من قاوقجي والشنطي ذو شقيين. حيث انهما لاتتلائمان مع الصورة النمطية المتمثلة باضطهاد المرأة المسلمة كما في اسلوب طالبان ولا تتلائمان مع تصور النموذج الغربي كالطريق الوحيد لتحرير المرأة. فهما يشكلان ببساطة جزءا من طبقة غير موجودة. لانك ان كنت امرأة مسلمة فيمكن ان تكوني اما ضحية مجتمع ابوي ظالم وخانق يملي عليك كل شئ تفعلينه بما في ذلك ما ترتدينه وممن تتزوجين او ان تكوني امرأة تدير ظهرها لكل ما هو “اسلامي”. فاذا كنت من النوع الأول فانتظري تدخلنا الخير لتحريرك من قيودك وكسر السلاسل والأغلال التي عليك. وان كنت من النوع الثاني فتوقعي ان نحتفل بك وتزين صورك المجلات البراقة من لندن الى باريس ومن امستردام الى واشنطن على طريقة هيرسي. فانت تقولين ما نريد ان نقول و تناضلين من اجل معاركنا نحن دون ان تواجهي بتهمة الخوف من الإسلام والعنصرية. فانت واحدة متحررة وجديرة بتحرير بنات ديانتك أيضا.

والمثير للسخرية ان اعداد كبيرة من النساء المسلمات لا تندرج تحت اي من هذين التصنيفين. فلو قمت بزيارة اي جامعة في القاهرة او كولالامبور او دمشق او جاكارتا ستجد الحجاب الإسلامي في كل مكان حتى في الدول التي تمنع التدين بنص قانوني وقوة الشرطة كما في تركيا وتونس. كانت هذه المؤسسات حتى وقت قريب قد وقفت في طليعة انتاج النموذج النسوي الغربي.

فأمي قد درست في احدى هذه الجامعات في اوائل السبعينيات. ولم تكن ترتدي لا حجابي ولا تنانيري الطويلة. اما امها فكانت بالكاد تعرف القراءة والكتابة ونادرا ما تجاوزت أبواب منزلها. أما اليوم، فأنا وامي كلينا قد تخطينا بعيدا فئة جدتي وفئة المرأة الباريسية التي كانت تتطلع كل النساء العربيات المتعلمات الى محاكاتها لجزء كبير من القرن العشرين. اما الفئة التي قد تحتوينا ، والتي لا تزال مفقودة، يجب ان تكون معقدة فهي ليست قائمة على بالإسلام التقليدي ولا الحداثة الغربية. ففي تعقيده هذا سيعكس الأشكال المتعددة للحداثة والإسلام في ذات الوقت.

فالطرق الى الحداثة والإسلام والتحرر ليست واحدة بل متعدة. فالعالم اوسع من لندن وباريس.

عندما نواجه خطاب تحرير المرأة سنفعل حسنا اذا خدشنا تحت قشرتها الخارجية للبحث عما يكمن تحتها من اكاذيب. فقضية تحرير المرأة المسلمة مثلها مثل مشاريع الديمقراطية والإصلاح “للشرق الأوسط الكبير” وغالبا ما يستخدم كوسيلة للتبرير واضفاء الشرعية على المصالح والتدخلات غير الشرعية وغير المبررة. فالنساء المسلمات شانهن شأن اخواتهن في العالم الثالث يعانين من مشاكل عدة مثل الفقر وقلة التعليم وضعف التمثيل والتمييز الذي يمارس ضدهن. ولكن يجب أن يكن على يقين من انه لا بلير ولا بوش ولا ابواقهم الكثيرة لا ينامون الليل بسبب نصيبهن الصعب او بسبب مآسي اخواتهن في فلسطين او العراق او افغانستان او لبنان.

فعبء التحرر يقع على كاهل المرأة المسلمة ذاتها. فهي التي ينبغي عليها ان تحدد توجهها وترسم مصيرها بنفسها وليس اولئك الذين يذرفون دموع التماسيح عليها.

 

الغارديان 10 نوفمبر 2006

المقال بالإنجليزية

 Posted by at 12:12 م

Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/soumayag/public_html/ar/wp-includes/class-wp-comment-query.php on line 399

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)