يونيو 262007
 

عنما تسمع انباء التعيين المحتمل لطوني بلير كمبعوث للسلام للجنة الرباعية في الشرق الأوسط فانك لا تدري اتضحك ام تبكي لسماع هذا الخبر. فاختياره لهذا المنصب يأخذ بالسياسة الأمريكية الى افاق جديدة من العبث في الشرق الأوسط.ونحن نعرف جميعا ان الإقتراح قد وضع وزج به لا من قبل روسيا او الإتحاد الأوربي بل من قبل الولايات المتحدة كمكافأة له على خدماته الجيدة لسنوات. ولكن هذا القرار هو الجنون بعينه. وأحسب أن السؤال الذي طرح للوصول الى هذه النتيحة كان لا بد أن يكون: من هو الرجل الأبغض والأكثر اثارة للاشمئزاز في الشرق الأوسط ؟ فلو وضعنا بوش فمن المؤكد أن هذا الشرف سيمنح لبلير وحده.

يقال ان بلير قد عرض نفسه لهذا المنصب في احدى محادثاته الخاصة مع بوش والذي شرع من جانبه بلوي ذراع اللجنة الرباعية لتوافق على التعيين. ولكنه لا يعلم كم هو مبغوض في المنطقة التي يرغب ان يوفد اليها كمبعوث للسلام. فعندما يتحدث العرب عن بوش فانهم يشيرون الى بلير بانه “ذيل” لبوش او “الناطق بلسانه”. فالفرق بين الإثنين من وجهة نظرهم هو كالفرق بين السيد وخادمه المطيع. احدهما يضع السياسات والآخر يسوق لهن.

غطرسة بلير اللامحدودة تعميه مرة اخرى عن رؤية ما يبدوا واضحا وضوح النهار للآخرين. فاسمه في الشرق الأوسط مرتبط بالكارثة والجحيم الذي ساعد في خلقهما في العراق. وهذا بالضبط ما هو عليه العراق اليوم مهما ظن بلير بنفسه محاطا بشرنقة من الغطرسة كما هو. حيث يرسم تقرير لمنتدى السياسة العالمي الصادر مؤخرا (حزيران 2007)، يرسم صورة جهنمية من العنف والدمار للسلطة المدنية والموروث الثقافي والفوضى وانعدام الأمان والفقر. ويوثق التقرير كيف ان مئات الألاف من العراقيين قتلوا (500,000) واكثر من اربع ملايين شُردوا بضمنهم اكثر من مليونين (2.2 مليون) فروا الى خارج البلاد.

مدن عراقية كاملة تقبع تحت الأنقاض. فبالاضافة الى الفلوجة التي تعرضت لإعتداء كبير في نيسان وتشرين الثاني 2004 كان هناك مدينة تلعفر التي تعرضت للهجوم في (ايلول 2004 وايلول 2005) ومدينة سامراء في (تشرين الأول 2004 وايلول 2005 واذار 2006) كما تعرضت مدينة القائم لهجوم في (ايار وتشرين الثاني 2005) وحديثة في تشرين الأول 2005 والرمادي في (تشرين الأول 2005 وحزيران 2006) وبعقوبة في (كانون الثاني 2007). ويقول التقرير الصادر : ان في مدينة الفلوجة التي يبلغ عدد سكانها 300,000 قد اضطر نحو اكثر من 216,000 من اللاجئين للبحث عن ملجا في المخيمات المكتظة في اشهر الشتاء الباردة والتي تنقصها المواد الكافية من الطعام والشراب والرعاية الطبية. ويقدر حوالي 100,000 من سكان القائم التي يبلغ عدد سكانها بـ 150,000 قد اضطروا للهروب… وفي الرمادي كان %70 من سكانها الذي يبلغ عددهم بـ 400,000 تركوا امام مواجهة هجمة الولايات المتحدة. وتشير هذه اللحظات لبداية ازمة نزوح واسع في العراق.”

وفضلا على العراق فان الشعوب في الشرق الأوسط تتذكر بلير بسبب لبنان. فعندما وقف العالم اجمع مطالبين بوقف اطلاق النار مروعين مما شاهوا من القصف الإسرائيلي الوحشي على البلد والذي ترك اكثر من 1,000 قتيل و700,000-915,000 مشرد، كان بلير قد اختار ان يقف الى جانب بوش واولمرت. متحديا المجتمع الدولي بالإضافة الى حكومته ونوابه في المقاعد الخلفية وحزبه والرأي العام، اصر بلير على منح اسرائيل كل الغطاء السياسي الضروري وايا كان الوقت الذي تحتاجه “لإنجاز المهمة”.

هناك مثل عربي مشهور مفاده: يكذب الكذبة ويصدقها”. ويتسأل المرء هل ينطبق هذا الحال مع بلير فان كان حقا يعتقد انه يمكنه ان يعمل كوسيط نزيه بين اسرائيل والفلسطينين وان يحقق السلام في الشرق الأوسط. ولكن مهما كان يدور في عقل رئيس وزرائنا الذي سيصبح قريبا رئيس الوزراء السابق فلن يغير شئ من الحقائق. والحقيقة انه عندما يتعلق الأمر بالصراع العربي الإسرائيلي فان بلير لن يكون مناسبا لدور وسيط او مبعوث.

ومنذ انتقاله الى 10 داوننغ ستريت وهو يؤيد سياسات اسرائيل وعمليات التغلغل المتكررة والإجتياحات والإغتيالات ومصادرة الأراضي والإستيطان وبناء الجدار العازل على انقاض ارض تركت لتُقام عليها “الدولة الفلسطينية” الوهمية التي يدعي انه يؤيد قيامها. وما يجب عليه فعله هو ان ينضم الى الوفود القادمة من تل ابيب او واشنطن وان يجلس على طاولة تحمل العلم الإسرائيلي او الأمريكي.فلا هو بـ”النزيه” او بـ “الوسيط” ولكنه جزء من الأزمات المشتعلة في المنطقة كما في العراق او فلسطين او لبنان. وبتعينه مبعوثا للسلام في المنطقة هو بمثابة ادارة السكين داخل جرح لا يزال نازفا، مضيفين الإهانة للأذى.

واذا كان بلير حقا مقتنعا انه الرجل المناسب لهذه المهمة فعليه ان يخضع للإختبار التالي: ان يتجول ليس في شوارع بغداد التي سعى في خرابها ولكن في شوارع بيروت او دمشق اوالقاهرة او في شوارع اي عاصمة من عواصم المنطقة التي يرغب في ان يكون مبعوثا فيها- ماعدا تل ابيب طبعا. فان عاد سالما فله دعواتي بالتوفيق.

ولكن اذا كان ليونيل جوسبن قد رجم بالحجارة من قبل الفلسطينين خلال زيارته لجامعة بير زيت في الضفة الغربية بالرغم من ان مواقف فرنسا المتوازنة نوعا ما في المنطقة- فينبغي على بلير ان يعد نفسه من المحظوظين ان طرد بهذا اللطف.

يبدوا ان بلير قد كُتب عليه ان يكون لعنة على المصالح البريطانية في المنطقة سواء في مقر 10 داوننغ ستريت او الخارج. فما بقى لبريطانيا بعد تفتيت قوتها الأمبريالية في الشرق الأوسط في اعقاب ازمة السويس عام 1956 مقدار من القوة الناعمة: بعض من التأثير الثقافي والدبلوماسي والأقتصادي. والكثير منه قد دُمر بعد غزو العراق وبعد ان بدأ المحتجون في ارجاء المنطقة بحرق العلم البريطاني الى جانب العلم الأمريكي ودمية صغيرة لبلير واخرى كبيرة لبوش. فتعينيه كمبعوث في الشرق الأوسط تعرض ما تبقى لبريطانيا من مكانة في العالم العربي للضياع التام.

فبعد فشله في الحصول على وظيفة رئيسا للبنك العالمي ورُفض من قبل معظم الأوربيين في ان يكون رئيسا للأتحاد الأوروبي ومن قبل العرب ان يكون مبعوثا للشرق الأوسط، فما هو فاعل ؟

ومن وجهة نظري ينبغي على بلير ان يعود الى المسرح ويجرب في ملاحقة حلمه الطويل في ان يصبح ممثلا. وهذا هو ما كان يفعله دائما. وكعضو في البرلمان استطاع ان يشوش الخط الفاصل بين السياسة والتمثيل. ففي عهده اصبحت السياسة مفعمة بالشكليات والشعارات والمكياج وصبغ الشعر والملابس المصممة والحركات التي تدرب عليها بعناية والإبتسامات المزيفة. لقد آن الأوان ان يرحل ويترك السياسة وشأنها ويعود الى المكان الذي ينتمي اليه.

 

الغارديان 26 يونيو 2007

المقال بالانجليزية

 

 Posted by at 4:10 م

Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/soumayag/public_html/ar/wp-includes/class-wp-comment-query.php on line 399

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)