مارس 162007
 

هكذا نعود الى التصنيفات ولعبة بناء التحالفات. الآن وبالرغم من ان طبول الحرب ليست بسبب التهديد العراقي ولكن بسبب التهديد الإيراني. قبل اربع سنوات وعندما كانوا يعدون لغزو واحتلال العراق، كان الأمريكيون وحلفاؤهم عبر المحيط الأطلسي قد ملئوا الفضاء بالحديث عن اضطهاد الشيعة من قبل السُنة وضرورة تخليصهم من نظام البعث السُني الشرير. وعندما صعد المشروع الإيراني النووي الى أعلى اجندة ادارة بوش ، كان لابد من تصنيع مجموعة جديدة من المصطلحات والمفاهيم. فخرجت شعارات الديمقراطية والإصلاح والحكم الجيد وبدأ الترويج لمفهوم “الهلال الشيعي” المخيف الذي بدا يتفتح من شواطئ البحر المتوسط الى حقول الأفيون في افغانستان والذي تتم مواجهته من قبل القوى الخيرة للمعتدليين السُنة. وجاءت به كوندليزا رايس والوفد الدبلوماسي المرافق لها، وهذه المرة لتشريف منطقة الشرق الأوسط بزيارتها ولضمان تعاون جيد مع “دول الإعتدال” واجهزة مخابراتها.

وقد تم شرح “استراتيجية اعادة التوجيه” من قبل وزيرة الخارجية الأمريكية في شهادة امام لجنة العلاقات الخارجية لمجلس الشيوخ في كانون الثاني حيث اعلنت “تعديل استراتيجي جديد في منطقة الشرق الأوسط” والفصل بين ” الإصلاحيين” و “المتطرفيين”. وقد اعلنت قائلة ان الدول السُنية كانت “مراكز للإعتدال” مع ايران وسوريا وحزب الله “على الجانب الأخر لهذا التقسيم”.

لقد قيل لنا قبل سنوات قليلة وبعد احداث 11 سبتمبر ان ما يهدد الأمن والإستقرار في العالم هو الإرهاب السني المتمثل بتنظيم القاعدة والسنية الوهابية الإصولية التي تحتضنها المملكة العربية السعودية. واليوم أعيدت عقارب الساعة الى الوراء الى ربع قرن من الزمان، الى ايام الثورة الإيرانية والتي قادها اية الله الخميني ووالتي نددت بها الولايات المتحدة على انها تشكل الخطر الأكبر على استقرار المنطقة. وبضربة حظ، وجدت المملكة السعودية نفسها تعود الى قائمة المرضي عنهم لدى الأدرارة الأمريكية ، على انها نظام “ودي” و”معتدل” متساويا مع مصر والأردن ولا اقل من ذلك.

لعبة التصنيف الأمريكية هذه عشوائية وغير قابلة للتنبؤ فهي خاضعة للعرض والطلب والحسابات المتغيرة باستمرار والأولويات. فالشيعة في العراق يحتفى بهم على انهم حلفاء بينما تشوه صورة الشيعة في ايران على انهم اعداء. اكراد العراق “اصدقاءنا المقربون” بينما اولئك الذين يبعدون كيلومترات قليلة في تركيا المجاورة هم اعداء وارهابيون قتلة.

والأغرب من هذا ان ادارة بوش التي جعلت من الإرهاب عنوانا لحروبها التي لاتنتهي ولمغامراتها العسكرية لا تتردد في العمل مع اولئك الذين تعتبرهم ارهابيين لتحقيق اهدافها. ففي مقال طويل للصحفي المتميز سيمور هارش نشرت في مجلة نيويوركر يبحث في تصرفات ادارة بوش السرية في تمويلها غير المباشر للجماعات السنية المتطرفة – بعض منها على علاقة بتنظيم القاعدة – لمواجهة الجماعات الشيعية المدعومة من ايران.

ظلت هذه العمليات السرية في الخفاء، ففي بعض الحالات كانت تترك مسألة التنفيذ او التمويل للسعوديين او من خلال ايجاد طرق اخرى للالتفاف حول عملية صرف المخصصات عن طريق الكونغرس بالطرق الأعتيادية. وكتب هرش قائلا “ان اعتماد ادارة بوش على العمليات السرية والتي لم يتم ابلاغ الكونغرس عنها وصفقاتها مع وسطاء ذوي اجندات مشكوك فيها” ، قد تمت الإشارة اليها للبعض في واشنطن هو فصل سابق في التاريخ. فقبل عقدين، حاولت ادارة ريغان تمويل مقاتلي الكونترا النيكاراغويين بطريقة غير شرعية، عن طريق صفقات أسلحة سرية لإيران. وتم اشراك المال السعودي فيما اصبح يعرف بفضيحة أيران- كونترا، وعدد قليل من اللاعبين في ذلك الوقت- ولاسيما الأمير بندر واليوت ابرامز- يشاركون في صفقات اليوم.”

فبعد زعزعة الإستقرار في العراق من خلال دعم فصيل ديني وعرقي واحد ضد الآخر، وفتح الباب على مصرعيه للفتنة الطائفية العنيفة والتي تلتهم حاليا ارواح العشرات من العراقيين يوميا، تحول الأمريكيون الآن الى ايران. فبوجود نحو %40 من اصل 69 مليون نسمة من غير الفرس (16 مليون من الأذربيجان وسبعة ملايين من الأكراد وخمسة ملايين من الأهوازيين ومليون من البلوش)، فان المشهد الإيراني العرقي الملون يمكن ان يستغل بسهولة لزعزعة النظام. ولذلك يقدم مسؤولو الإستخبارات الأمريكية بدعم المليشيات المعارضة من بين مجموعات الأقليات العرقية العديدة المتجمعة في المناطق الحدودية الإيرانية من ضمنها مجموعة كتائب الله المتواجد في لواء البلوشستان ، المنظمة السنية المتقلبة والتي يخشى الكثيرون ان تنقلب على واشنطن بعد ان تاخذ مالها، ومنظمة مجاهدي خلق الجماعة المعارضة لإيران ومقرها العراق والتي ادرجت حاليا من قبل وزارة الخارجية الأمريكية على انها منظمة ارهابية.

وقد بلغت هذه الأنشطة ذروتها في موجة من الاضطرابات في المناطق الحدودية الإيرانية في حملات التفجير والإغتيالات ضد جنود ومسؤولين حكوميين. وقد نفذها الأكراد في المناطق الغربية والأذريين في مناطق الشمال الغربي والعرب الأهواز في مناطق الجنوب الغربي والبلوش في الجنوب الشرقي. ووفقا للتقارير التي نشرت في صحيفة الديلي تلغراف فان تمويل هذه الحركات الإنفصالية يأتي مباشرة من ميزانية وكالة الإستخبارات الأمريكية السرية ، الحقيقة التي اكدتها مصار موثقة في واشنطن من ضمنهم فريد بيرتون العميل السابق في قسم مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأمريكية والذي اعترف بان “الهجمات الأخيرة داخل ايران تقع ضمن الجهود الأمريكية المبذولة لتجهيز وتدريب الأقليات العرقية الإيرانية لزعزعة النظام الإيراني.”

يبدوا ان هذا الجزء من العالم قد كُتب عليه ان يبقى فريسة للعبة التسمية وسلسلة لا تنتهي من الأكاذيب الدموية والأوهام.

في العام 1798 غزى نابليون مصر “لتحرير شعبها من نير المماليك القمعي” والدفاع عن الباب العالي في اسطنبول. وسجل المؤرخ المصري المعاصر عبد الرحمن الجبرتي قائلا ان بنوبابرت جمع علماء الأزهر، وهو يرتدي العمامة ، وخطب فيهم بصفته “الشيخ بونابرت” “المدافع عن الدين”.

وعندما ثار الشريف حسين على العثمانيين في مطلع القرن العشرين، دعمه البريطانيين كـ “خليفة العرب” الذي سيحقق طموحات “العرب” للتخلص من الطغيان التركي. وبعد ان نجح في اضعاف الإمبرطورية العثمانية، وجد الإمبراطورية التي تمتد عبر الأراضي العربية لتشمل النطاق الكلي بين مصر وبلاد فارس ومكة المكرمة عاصمة لها والتي وعده بها البريطانيين تم اختزالها في بضع مئات الكيلومترات في الصحراء الأردنية القاحلة.

ووضعت الأراضي “المحررة” من الإمبراطورية العثمانية فورا تحت نظام الإنتداب الفرنسي والبريطاني. وضُمنت “حرية” السسكان من قبل الإحتلال من قبل القوى الإمبريالية الأوربية.

وعندما اندلعت الحرب الباردة كانت الولايات المتحدة لا تتورع عن استخدام العرب المحافظيين والحكومات الإسلامية مثل المملكة العربية السعودية والباكستان لمواجهة خطر “الإلحاد السوفيتي”. وكما استغلوا الإسلام التقليدي لإضعاف القوميين العرب تحت قيادة عبد الناصر، فاليوم تحولت العلمانية المعتدلة الى حلف جديد ضد المد الإسلامي المتصاعد. (انظر تقرير راند الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والإستراتيجيات.)

ويبدوا اليوم ان الأمريكان قد ورثوا الإستراتيجية البريطانية “فرق تسد”. فمن مصدرا للقوة والديناميكية، تعمل واشنطن على تحويل التشكيلة الفريدة للمنطقة الى وقود مميت للشقاق والصراع. الأكراد ضد العرب والعرب ضد الفرس والسُنة ضد الشيعة “والمعتدليين” ضد “المتطرفيين” والكل ضد الكل.

ومع ذلك فالشئ االمؤكد ان هذه اللعبة القذرة سوف لن تحرق ضحاياها الذين دفعوا الى منزلق التدمير الذاتي فقط، لأن اليد التي تُشعل النار تخاطر باحراق ذاتها ايضا.

 

الغارديان 16 مارس 2007

المقال بالانجليزية

 Posted by at 2:41 م

Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/soumayag/public_html/ar/wp-includes/class-wp-comment-query.php on line 399

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)