نوفمبر 242006
 

ما رأيي فى وثيقة الجيل الجديد التي نشرت في عامود حرية التعليق؟ رأيي انها معيبة فكريا وغير منتجة سياسيا.

لقد ولدت هذه الوثيقة سلسلة من المقالات من قبل الموقعين عليها. ولكنها اخفقت في تجاوز معايير الخطاب السائد عن الدين والعرق وبالتالي لم تأت بجديد. ولمعرفة الأفكار التي تشكل لب الوثيقة فما علينا إلا العودة الى تصريحات روث كيلي الأخيرة فتوفر علينا الكثير من الضوضاء والقدر الكبير من الحبر. فقد أبدت الوثيقة نفس التجاهل الرسمي لعدم المساواة البنيوية ونفس التركيز على الطبيعة الانقسامية للتعددية الثقافية ونفس الولع بالأفكار المجردة مثل ما يتعلق بمساواة المواطنة ونفس الكراهية لمن نصبوا أنفسهم ممثلين للمجتمع مثل مجلس مسلمي بريطانيا الشرير الجديد بالنسبة للحكومة.

ياسمين علي بهاي براون ، واحدة من الموقعين ، كتبت قائلة ” نحن نؤمن بالمعايير العالمية والحقوق التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. والمواطنون هم افراد مستقلين وليسوا بمخلوقات تملكها وتسيطر عليها التقاليد الجامدة.” هذا جيد حتى الآن. ولكن هل يمكن ان نجد هذا الفرد العالمي الحر والمستقل في أي مكان على ارض الواقع؟ فهذا الهوس بالمفهوم المطلق للمواطنة هو بالضبط ما يشكل الضعف الفكري الرئيسي للبيان فهذا المفهوم ببساطة لا وجود له خارج عوالم المبادئ القانونية والنظرية الفلسفية ففكرة المواطنة ، كما هي بقية الأفكار السياسية ، لا وجود لها خارج حدود الزمان والمكان. فلها لحم وعظم وهي بالضرورة مضمنة في الحالة التاريخية والسياق الإجتماعي السياسي. نظريا نحن كلنا مواطنون متساوون. فالأبيض البروتستانتي من الطبقة الوسطى من وسط انكلترا يساوي الصومالي المجنس حديثا والذي يعيش في احياء برك لين الفقيرة او البنغالي الذي جئ به الى تلك الشواطئ كعمالة رخيصة وترك جانبا في ثغرات منسية من مدننا الصناعية المحزنة. فالواقع أن المواطنة المجردة هي ليست الا خيال وامنيات.

فبدلا من مواجهة اللالمساواة البنيوية التي تشل قطاعات واسعة من السكان، اختارت الوثيقة ان تهرب الى عالم مريح من المثل العليا. والحقيقة التي ثبتت بسلسلة من التقارير والدراسات ان العرق والدين اصبحا عامل محددا للتقسيم الطبقي. فالطبقة الدنيا الجديدة التي تنمو يوميا في اطراف لندن وبرمنغهام وباريس وليون سكانها من الأقليات العرقية الدينية والمهاجرين الجدد. فهولاء يجدون انفسهم في اسفل السلم الإجتماعي في اللحظة التي يخطون فيها على تراب تلك الأراضي. المشكلة في تلك الوثيقة انها تفتقر الى اي حس تاريخي او وعي سياسي إجتماعي. فعلى ما يبدو ان شعارها ” يسقط الواقع وتحيا النظرية”. ففيها لا يجد المرء تحليلا لأوضاع الأقليات اوظروف ظهورها او البنى السياسية الإجتماعية التي يتوجب عليها العمل في اطارها.

لو كانت مبادئ المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان هي من يحدد نصيب الفرد الإجتماعي ، لكانت فرنسا ، التي تحدث الكثير من الضجة بخصوص تلك المفاهيم المجردة تحت اسم “قيم الجمهورية” اكثر من اي بلد اخر على الأرض، ارض الله الموعودة للاجيين وابنائهم. فان كانت لديك اية اوهام بخصوص ذلك ، فجولة سريعة في باربيس او كورونس تكفي لازالتها – مالم يكن مفهومك للجنة أنها ذات شوارع قذرة ومكتظة يمشي فيها ذوي البشرة السمراء والعيون الغائرة المرتدين رث الثياب متخبطيين عاطليين عن العمل.

وعلى الرغم من ان ادموند بورك كان محافظا وحتى عنصريا الا ان انتقاداته للثوريين الفرنسيين وخطاباتهم ذات اهمية خاصة هنا. وحاجج قائلا ان رؤيتهم قد قامت على افكار مجردة تدعي انها قائمة على المنطق ولكنها في الواقع تجاهلت تعقيدات الواقع الإجتماعي السياسي. وقال بورك ان النهج السياسي القائم على الأفكار المجردة حول “المساواة” و “حقوق الإنسان” لا معنى لها ويمكن ان تستخدم بسهولة من قبل من هم في السلطة لتبرير الإجراءات الأستبدادية.

ويمكن لذات النقد ان ينطبق على هذه الوثيقة التي تخصص فقرة صغيرة لما تصفه بـ “التحديات” وتسكب الكثير من الحبر على وضع “مبادئنا”. فقفز كاتبو الوثيقة الى ما ينبغي ان يكون ولم يبذلوا اي جهد حقيقي لتشخيص ما هو قائم. بالطبع ان مفهوم المواطنة مهم جدا. ولكن مغزاه مبني على ا) التشخيص الدقيق للأوضاع البنيوية القائمة؛ و ب) النضال الإجتماعي السياسي على ارض الواقع لسد الفجوة بين ماهو قائم وما ينبغي ان يكون عليه.

فقد انتظرت أوربا حتى شهدت أهوال المحرقة كي تعترف بيهودها كمواطنين متساوين وتوسع من رقعة مفاهيمها الخاصة بالتسامح لتشملهم. وبجهود حركة الحقوق المدنية فقط تقدمت الأقلية السوداء خطوات قليلة اقرب نحو قيمة المواطنة والمساواة التي لاتزال بعيدة. فالوعي النظري غير كاف. بل الوعي الحقيقي الملموس هو المهم. دائما ما يشار الى السود والأسيويين في سياق المواطنة ومدى البريطانية ولكن لو تصفحت الصحف الأكثر تداولا في البلد لوجدت انه لايزال يشار اليهم بـ “المهاجرين” و “طالبي اللجوء”و “الأجانب” و “الأرهابيين”.

فتشخيص الواقع هي الحلقة المفقودة في هذه الوثيقة. وبينما تحاول سد الفراغ الهائل ، يعرض النص تشخيصات خاطئة مؤديا الى علاجات خاطئة. فلو قرأت العشرات من السطور المكرسة للممثليين “المفروضين ذاتيا” و “حماة البوابة” لأعتقدت ان اولئك هم السبب الجذري لمآسي الأقليات العرقية-الدينية. والمعنى الضمني ان لو تم التخلص من هؤلاء لاختفت مشاكل مجتمعاتهم جملة واحدة. ان هذه التنظيمات الضعيفة التي تكافح من اجل تقديم شكل من اشكال التمثيل للأقليات الفقيرة الممثلة تمثيلا ناقصا في الحكومة المركزية والأقليمية والمحلية وفي العديد من نواحي القطاعين العام والخاص جُعلت لتبدو وكانها جماعات قوية ذات ضغط وذات مصالح تخشاها الحكومة ولها تأثيرا قويا على قراراتها.

فلم يعد سرا ان حكومة بلير تستهدف حاليا بعضا من تلك المنظمات لرفضها الأنصياع لرغباتها وازالة الفوضى التي احدثتها في العراق. فيصطف الكُتاب بوعي منهم او من دونه خلف بلير ووزراءه يناضلون من اجل معاركهم مطلقين اسلحتهم باتجاه اهدافهم. فلا هي شجاعة ولا أمر جدير بالثناء ان تصطف خلف اولئك الذين في السلطة. فمهما كانت اخطاؤها، فمنظمة مثل المجلس الإسلامي البريطاني ومع 400 منظمة تابعة له تمثل الرأي العام للمسلمين في المملكة المتحدة بقدر كبير يفوق الكيان الطائفي المفروض من فوق مثل المجلس الصوفي البريطاني والمدعوم فعليا والمروج له من قبل مكتب كيلي. فهو على الأقل يتجرأ ان يقول ما لا تحب ان تسمعه الحكومة. و هذا للأسف ما لا نستطيع ان نقوله عن الوثيقة التي بين أيدينا.

ان زعزعة المنظمات المجتمعية الموجودة تشكل لعبة محفوفة بالمخاطر. وان الأحداث الدامية الجارية في العالم الإسلامي هي دليل على ان الذين يستفيدون من الفراغ الديني والمؤسسي الناتج من تصدع تلك الهياكل، هم قوى التطرف. وما نحن متأكدون منه ان الذي سيملأ فراغ المجلس الإسلامي البريطاني او رابطة مسلمي بريطانيا لن يكون ساني هاندل او ياسمين علي باهي بروان بل ابطال التعصب والمغامرة والعنف. فعلى اقل تقدير فان هذه المنظمات قادرة على ممارسة ببعض اشكال الضبط لردود افعال الشباب المشردون، الذين يتقصهم الفهم الديني السليم او الخبرة السياسية الكافية، والذين يتزايد الإحباط لديهم يوما بعد يوم بسبب السياسات الخاطئة في الداخل والخارج.

نحن نشهد اتجاها متناميا من جانب الحكومة ونخبها للقفز من فوق الواقع القبيح للعرق والدين كأساس للتقسيمات الأجتماعية والتمييز العنصري وعدم المساواة والزعم بأن هذه الأقليات تعاني من حالة مرضية بالحديث المستمر عن عقد الضحية والاضطهاد. (فالمشكلة التي ترى هي العقدة وليست الأضهاد ذاته). لذلك فان الهجوم على مثل تلك المنظمات القائمة على اساس الدين مثل المجلس الأسلامي البريطاني يسير بشكل متواز مع محاولات اضعاف الجماعات والمنظمات المناهضة للعنصرية. مثال على ذلك لجنة المساواة العرقية. التي تم الغاؤها واستبدالها بهيئة غامضة تحت مسمى مبهم مثل لجنة المساواة وحقوق الإنسان. ولا حاجة للقول ان حذف مصطلح “العرق” من اسم المنظمة لم يأتي مصادفة.

لذلك ، فبدل من الحديث عن المهمشين اجتماعيا والمحرومين اقتصاديا من السود والأسيويين، نحن اليوم مدعون للحديث عن كائن مجرد وغير واضح ومطلق يدعى الأنسان وحقوقه او حقوقها التي يجدها القلة محل خلاف.

الطريقة الوحيدة التي نحقق فيها التجسيد الفعلي والملموس لمبدأ المواطنة السامي هو من خلال تفعيل منظمات الأقليات الدينية والعرقية واشراكها في نضال مشترك على ارض الواقع بتشكيل أتلاف واسع ومتنوع لقوى مختلفة ومجموعات عرقية ودينية ومنظمات الحريات المدنية وحقوق الإنسان والتيارات السياسية. فمن خلال هذه الجهود المشتركة في محاربة انعدام المساواة البنيوية والحرمان والعزل والتعصب ضد الدين- العرق – التي تشكل العقبات الحقيقة للتحرك الإجتماعي والإندماج – نستطيع سد المسافات الشاسعة بين المجرد والملموس. وعندها فقط يمكننا التحدث عن المواطنة.

لقد تأثرت بشكل خاص بالمسيرة التي دعت اليها ليبرتي والمبادرة الإسلامية البريطانية الأثنين الماضي حيث جمعت عدادا من المنظمات والجمعيات: مسيحيين ويهود وهندوس وسيك ومسلمين ومناهضي العنصرية ونشطاء حقوق الإنسان والمثقفين والفنانين والسياسين من طرفي الطيف. كلهم توحدوا في الدفاع عن حرية الضمير وادانة الخوف من الإسلام. وسأشارك الأثنين القادم في قمة تهدف الى تطوير إتلاف موسع للأقليات من اجل المساواة العرقية والدينية وضد العنصرية المؤسسية والثقافية والفردية والتمييز الديني.

ولم يسعني الا ان الاحظ ان المنظميين فعلوا الكثير وتحدثوا بالقليل. واتمنى ان يكون الشئ ذاته صحيحا مع الموقعيين على هذه الوثيقة.

وهكذا يمكن تلخيص رأيي في وثيقة الجيل الجديد بالمثل العربي: “تمخض الجبل فولد فأرا”.

 

الغارديان 24 نوفمبر 2006

المقال بالإنجليزية

 Posted by at 12:16 م

Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/soumayag/public_html/ar/wp-includes/class-wp-comment-query.php on line 399

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)