فبراير 132009
 

قبل ثلاثين عاما استيقظ العالم على انفجار بركاني عظيم في ايران غير وجه البلاد وارسل هزات في جميع انحاء العالم. لقد نجحت الحركة الجماهيرية في الإحتجاج الشعبي في فعل ما ظن القليل منهم انه ممكن التحقيق. فلم يعد هناك وجودا لنظام الشاه المحصن جدا- لقد اصبح مجرد فصل في ماضي البلاد الطويل.

فمع كل النشوة الدينية التي ميزت الثورة فان قضاياها الجذرية هي في الواقع إجتماعية سياسية اكثر منها لاهوتية. ففي المحصلة فان علم اللاهوت لا يقدر على صنع ثورة ان كانت شروطها لم تتأجج في صميم المجتمع وداخل قواها السياسية. لقد تمت تغذية الآبار الواسعة للغضب الشعبي بسبب المظالم التي كانت تتجمع لسنوات والتي تفجرت في نهاية سبعينيات القرن الماضي. وفي مقدمة ذلك كان الفساد والإستبداد للشاه ونظامه؛ واتساع دائرة التهميش الإجتماعي الثقافي التي غذتها الحداثة الزائفة؛ وإذعان النظام للتدخلات الأجنبية وخاصة من الولايات المتحدة.

هنالك الكثير من المشهد الإيراني ما قبل الثورة الذي يبدوا مألوفا اليوم للمراقب لمنطقة الشرق الأوسط الواسعة. فبينما كان التاريخ الحديث للمنطقة غارقا بسلسلة من الأزمات المرتبطة بدولة ما بعد الإستعمارالهشة فتفاقمت عللها اكثر بعد تآكل الشرعية التي صاحبتها في العقود القليلة الماضية. فقد تلاشى مصدرها الأول للشرعية وهو التحرر الوطني بعد ان رحل جيل الإستقلال وجاء الى السلطة جيل جديد من الجنرالات واصحاب المكاتب الذين لا لون لهم.

وحينما تلاشت الوعود بالتطوير والتقدم في دخان العشوائيات فقدت الدولة العربية اخر ملجأ لها من مواطنيها. فتجردت من كل غطاء لها وتدهورت الى ان تكون الة قمع مخيفة. فكلما استنفذت شرعيتها كلما زاد اعتمادها على الشرطة واجهزة المخابرات الداخلية وعلى الدعم من مناصريها الأجانب- مثل ما كان الشاه. فمعظم الدول العربية لا تستطيع البقاء دون استخدامها الدائم للعنف ضد مواطنيها ومعارضيها- بمساعدة وتحريض من “اصدقائها” وحلفائها.

ربما تمثل مصر اوضح مظهر لمظاهر هذا الوضع. ففي العقد الماضي راح رئيسها البالغ من العمر 80 عاما ينشغل بضمان ارتقاء ابنه جمال لعرش الجمهورية. وفي اثناء ذلك، كان بلده الأكثر تعدادا سكانيا في العالم العربي يغرق في أعماق الإنحطاط وانحسار النفوذ الإقليمي والفساد المستشري والملايين المتأرجحة على حافة الموت جوعا.

وما هو أمامنا عبارة عن وصفة قاتلة للإنفجار. فبحلول تسعينيات القرن الماضي ومع انهيار الشيوعية وهجوم بوش الأب على العراق، وصلت معظم الأنظمة العربية الى حالة انتهاء مدة صلاحيتها للحكم. وبفضل حلفائهم الأوروبيين والأمريكان الذين يتعاملون معهم كالمعتاد تم تمديد مدة صلاحيتهم المنتهية. ولكن لا يمكن ان يتصور المرء كيف يمكنهم ان يفروا من نهايتهم لفترة اطول وسط بحر من الأزمات والغضب الشعبي المتزايد.

وهذا بالطبع لا يعني القول ان السيناريو الإيراني سوف يتكرر في مصر- او اي دولة عربية اخرى- او ان خميني اخر سيبرز قريبا. فالتاريخ لا يكرر نفسه. ورغم ذلك فان ما لا شك فيه هو العديد من مكونات الديناميت الإيراني يغلي اليوم تحت سطع “الإستقرار” المفروض وخاصة بعد ان دخلت قوى سياسية اجتماعية جديدة في الساحة على انقاض النخية الرسمية التي فقدت مصداقيتها.

فقبل اربعة اشهر من اضطرار الشاه للفرار اصدرت وكالة الإستخبارات الأمريكية تقريرا يصف نظام الشاه بالمستقر. وتنبأت ان نظام الشاه “من المتوقع ان يبقى نشطا في السلطة لمدة عشر سنوات قادمة”. ولم تتغيير الأمور كثيرا منذ ذلك الحين. فلاتزال نفس حالة الغياب المتعمد هي السائدة تعميها المصالح القصيرة الأمد فالحكومات الغربية تصر على ان ترى الأشياء في المنطقة كما تراها هي لا كما هي. ففي الواقع هم الصناع الحقيقيون للثورة في منطقة الشرق الأوسط.

الغارديان 13 فبراير 2009
المقال بالانجليزية

 Posted by at 6:54 م

 Leave a Reply

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

(required)

(required)